لم تكن الولايات المتحدة في يوم بعيدة عن الحرب الأهلية المدمرة في السودان منذ بدء هذه الحرب في العام 1955، سواء من خلال دعمها المباشر للمتمردين في الجنوب، بالمال والسلاح او من خلال البعثات التبشيرية التي كانت ترسلها الكنائس البروتستانتينية الى المنطقة تحت شعار نشرالدين المسيحي بين القبائل التي لا يزال بعضها وثنيا حتى الآن. الا انه في الشهورالقليلة الماضية بدأت الادارة الأميركية تحركا مفاجئا، ومشبوها الى حد كبير، في جنوب السودان من جهة، كما مع حكومة الخرطوم في الشمال من جهة ثانية، تحت عنوان السعي لوضع حد للحرب هناك. وقد استضافت واشنطن لهذه الغاية اكثر من لقاء بين ممثلي الطرفين، كما أوفدت بدورها أكثر من بعثة دبلوماسية وعسكرية الى الشمال والجنوب، ليتم أخيرا في كينيا المجاورة للسودان توقيع اتفاق بين حكومة الخرطوم برئاسة الفريق عمر حسن البشير و«الجيش الشعبي لتحرير السودان» برئاسة العقيد جون قرنق من اجل انهاء العمليات العسكرية وبدء مرحلة انتقالية لمدة ست سنوات يتم فيها التفاوض حول ما وصف بأنه «حق تقرير المصير» للسكان في جنوب السودان. وهذه العبارة الأخيرة (حق تقرير المصير) هي ما تتخوف منه بعض القوى السودانية المعارضة، وبعض الدول العربية، لأنه قد يعني في يوم قريب او بعيد تقسيم السودان بانفصال جنوبه بصورة كاملة عن الشمال لاقامة دولة فيه تتحول يوما الى شوكة في خاصرة كل من السودان ومصر وليبيا. فماذا جرى ليحدث هذا التبدل، بهذه السرعة والى هذه الدرجة من الانقلابية الكاملة، في موقف الولايات المتحدة، ثم ليحدث - بعد ان ابدت مصر تخوفا على وحدة السودان - ان يصل مبعوث أميركي خاص الى القاهرة بمهمة السعي لاقناعها بالاتفاق وبصدق النوايا الأميركية فيه ومن ورائه ؟! بل ماذا جرى لتقبل حكومة الخرطوم هذا الاتفاق، الذي يعطي من كانت تصفهم بالمتمردين والعملاء سلطة حكم الجنوب بصورة شرعية لمدة ست سنوات، من دون حتى التشاور مع أحزاب السودان التاريخية الأخرى (الامة والاتحادي الديمقراطي) أو مع اي من مصر وليبيا اللتين عملتا جاهدتين طيلة سنوات وقدمتا اكثر من مبادرة لتسوية الخلاف السياسي بين الشمال والجنوب وانهاء الحرب الأهلية المسلحة الدائرة بينهما ؟! دوافع التحول هناك، في الواقع، اكثر من سؤال مثار حول الموقف الأميركي الجديد، أسبابه وأهدافه والنوايا المبيتة فيه، تماما كما هناك اكثر من معطى سوداني داخلي، واقليمي ضيق وعربي واسع، من شأنه استدعاء المزيد من الأسئلة في سياق البحث عن اجابات على الاسئلة المطروحة. على الصعيد الأميركي، لا بد من ملاحظة المواقف والتطورات الآتية : 1ـ ازدياد الضغوط السياسية والأاتصادية الأميركية، ولكن العسكرية ايضا من خلال قوات جون قرنق في الجنوب، على العاصمة السودانية في الفترة التي تلت احداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة. بين أسباب هذه الضغوط العلاقة السابقة بين الحكومة السودانية وتنظيم «القاعدة» برئاسة أسامة بن لادن، ولجوء الادارة الأميركية في عهد الرئيس السابق بيل كلينتون الى قصف الخرطوم بصواريخ كروز في العشرين من اغسطس العام 1998 بدعوى وجود مصنع للأسلحة الكيميائية في العاصمة السودانية.. تبين لواشنطن، كما اعترفت بنفسها في فترة لاحقة، انه مجرد مصنع للأدوية. واذا أضيف الى ذلك ان حكومة الخرطوم الحالية ذاتها (حكومة البشير) كانت قد طردت أسامة بن لادن من أراضيها في التسعينيات، بعد ان مكث فيها لفترة من الوقت، وايضا بطلب من أميركا ربما بالتهديد والوعيد وربما بالوعود كذلك لأمكن تصور «شيء» مما حدث في المرحلة الأخيرة بين النظامين الحاكمين في واشنطن والخرطوم. 2ـ الاعلان عن اكتشاف حقول نفط واسعة، بل واحتياطات كبيرة منه، في كل من منطقتي جنوب السودان وغربه في العامين الماضيين، وبدء عدد من الشركات غير الأميركية العمل في التنقيب واستخراج النفط بعقود طويلة ومتوسطة الأجل، بما وفر دخلا ماليا لحكومة الخرطوم ليس كبيرا حتى الآن الا انه سد، ولأول مرة منذ بدء التنقيب عن النفط في الاراضي السودانية في السبعينيات، احتياجات البلاد من هذه المادة الحيوية. بين الشركات غير الأميركية العاملة الآن في المنطقتين، والتي تحدثت عنها بالتفصيل صحيفة «الانترناشيونال هيرالد تريبيون» الأميركية في مقال افتتاحي لها قبل عام تقريبا، كل من شركة «لوندين اويل» السويدية وشركة «أو.أم.في » وشركة «توتال فينا ألف» الفرنسية ـ البلجيكية العملاقة وشركة «تاليسمان انرجي» الكندية، فضلا عن شركتي «بيتروناس» الماليزية الحكومية و«ناشيونال بيتروليوم كارنيشين» الصينية. الا ان الصحيفة لم تقف عند حد التركيز على «الشركات غير الاميركية»، بل أضافت الى ذلك مطالبتها الادارة الأميركية بالعمل سريعا للضغط على هذه الشركات وعلى الحكومات التي تنتمي اليها لوقف عمليات التنقيب وحتى الغاء عقودها مع حكومة الخرطوم. أما السبب، في رأي الصحيفة، فيعود الى ذريعتين اثنتين : أولاهما ان عمل الشركات يعطي حكومة الخرطوم قصب السبق بتوفر المال، وتاليا السلاح، في الحرب الدائرة بينها وبين المتمردين في الجنوب، وثانيتهما ـ وهي الأهم وذات الدلالة في هذا المجال ـ أن عمل هذه الشركات يؤدي الى وضع شركات النفط الأميركية خارج دائرة التنافس على هذه المادة الحيوية للاقتصادين الأميركي والعالمي على حد سواء. وقالت الصحيفة الأميركية تأكيدا على ذلك : «ان انبوب النفط الذي يربط مدينة بورسودان على البحر الأحمر بمناطق استخراج النفط في الجنوب والغرب بدأ عمله في العام 1999، وان عائدات حكومة الخرطوم منه تجاوزت الـ 500 مليون دولار في العام الماضي بينما يتوقع ان تتضاعف هذه العائدات في الأعوام القليلة المقبلة». وفيما يبدو تغطية على الهدف الأساسي من اثارة الموضوع، قالت الصحيفة ان ما تخشاه شركات النفط الدولية العاملة في السودان هو الحرب المستمرة هناك بين القوات الحكومية السودانية و«الجيش الشعبي لتحريرالسودان». الزمن الغامض 3ـ انه في سياق «الحرب على الارهاب»، التي تشنها الادارة الأميركية برئاسة جورج بوش منذ احداث الحادي عشر من سبتمبر، وفي ظل موقف العرب والمسلمين عامة المتحفظ على هذه الحرب وعلى غاياتها ومجرياتها، فقد بدا لواشنطن أن اقامة علاقة تصالح جادة، ولو مؤقتة، بينها وبين حكومة كانت الى فترة قريبة ترفع شعار الاسلام دينا للدولة هي مصلحة أميركية فعلية وحيوية. وعمليا فعندما تعود حكومة الخرطوم، فجأة ومن دون أي داع جديد، الى اثارة موضوع مثلث حلايب المتنازع عليه على الحدود بينها وبين مصر، فتطلب بعد أيام من توقيع اتفاقها مع المتمردين وتحفظ القاهرة عليه، عرض الخلاف حول هذه المنطقة على مجلس الأمن الدولي. وعندما يتم ذلك بينما تبدأ مرحلة فتور في العلاقات بين واشنطن والقاهرة على خلفية الحكم القضائي الذي صدر في مصر على مدير«مركز ابن خلدون» للدراسات الدكتور سعد الدين ابراهيم، أنتجت فيما أنتجت وقف مساعدات أميركية لمصر بقيمة مائة وخمسين مليون دولار، فلا بد ان «شيئا» ما خافيا قد حدث اذن على ساحة العلاقات الدولية في هذه المنطقة الحساسة من شرقي افريقيا. 4ـ ان استضافة واشنطن لقائد المتمردين في جنوب السودان جون قرنق في العام 2001 وتقديم مساعدة مالية له بقيمة عشرة ملايين دولار، ثم تعيين عضو مجلس الشيوخ السابق جون دانفورث مبعوثا خاصا لها، رئيسا لبعثة «البحث عن سلام في السودان»، وقيامه بزيارة منطقة جبال النوبة في وسط السودان كأول مسئول أميركي يزور المنطقة اضافة الى الجنوب السوداني بصورة رسمية، ثم تعيين قائم بالأعمال لسفارتها في الخرطوم بعد اقفال هذه السفارة عقب نسف السفارتين الأميركيتين في دار السلام ونيروبي العام 1998 ان ذلك كله يشير الى ان لدى الولايات المتحدة سياسة خاصة تجاه السودان، وربما أيضا تجاه منطقة القرن الأفريقي كلها. في زمن الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، تمتعت هذه المنطقة بأهمية استراتيجية خاصة بالنسبة للمعسكرين مما أدى الى عمليات كر وفر عدة ومتبادلة والى تغيير أنظمة بعض الدول هناك في فترة والى اعتماد أنظمة أخرى أسلوب «نقل البندقية من كتف الى كتف»، كما يقال، في فترة أخرى. فماذا في المنطقة الآن ؟!، وما هي أهميتها السياسية والاقتصادية حاليا ومستقبلا ؟!، بل ولماذا - أقله حاليا - هذا التبدل في الموقف الأميركي من نظام الحكم في السودان ومن الحرب الدائرة في جنوبه ؟! يوصف الزمن الآن بأنه زمن عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر وفي هذا الزمن الغامض الى حد الأحجية، فان هذه هي بعض الأسئلة التي تطرح نفسها في بعض هذا الزمن وبعض هذا العالم. ـ كاتب لبناني