الله يرحمه ويحسن إليه جدي المرحوم الشيخ خليل معوض أحد وجوه الناس في مركز الباجور المنوفية كان له شعار يردده دائما وهو (الحجر الداير لابد عن لطه) وكان يعتبر العمل السياسي عملا غير أخلاقي، وكان يردد شعاره كلما سقط أحد رجال السياسة أو تعثر، وعندما جاء لزيارتي في سجن القناطر وأنا مسجون في قضية مراكز القوى، واجهني بشعاره الخالد، وأعتبرني مجرد حجر داير وكان لابد عن لطه.. وعاش جدي طويلا وظل حتى آخر لحظة في حياته مؤمنا بشعاره ممسكا به ولا أحد ينطبق عليه شعار جدي مثل الفلسطيني (أبو نضال) الذي قيل أخيرا انه انتحر في بغداد وقال بعضهم انهم (نحروه) وأيا كانت الحقيقة فهي نهاية طبيعية بالنسبة له، فهو خلال رحلة حياته لم يقتل إلا أصدقاءه، ولم يغدر إلا بحلفائه، وكانت أولى مغامراته عندما انشق على حركة فتح، وقام بتأسيس تنظيمه الخاص الذي أطلق عليه (فتح .. المجلس الثوري)، بهذا المجلس الثوري تحالف مرة مع الأردن ومرة مع سوريا ومرة مع العراق ومرة مع ليبيا ثم انقلب عليهم جميعا، وظل خلال مسيرته كلها بمثابة علامة استفهام ليس لها جواب، وكانت أخطر جرائمه إتهامه بقتل الزعيم الفلسطيني الكبير أبو إياد، مع أن أبو إياد كان صديقه الوحيد في دائرة القيادة الفلسطينية، وفي عام من أعوام السبعينيات جمعته السلطات العراقية بعدد من الصحفيين العرب اللاجئين في بغداد، وبعد حديث طويل معهم كشف فيه عن بعض أسراره، طلب منهم عدم الكشف عن أي شيء دار في الاجتماع، ولكن بعد سنوات من هذا الاجتماع كشف أحد الصحفيين في إحدى المجلات اللبنانية جزءا يسيرا مما دار في الاجتماع ولم تمض سوى أيام وبينما كان الصحفي يقوم بركن سيارته بالقرب من مسكنه في بيروت، انطلقت في جنح الليل رصاصة سكنت فمه وأسكتته إلى الأبد واتهمه الكثيرون بأنه كان عميلا للموساد، ولكن هذا الإتهام ظل بلا دليل، وأنه كان جزءا من صراع الفصائل الفلسطينية المتشاحنة. وقد أشيع خبر موته أكثر من مرة خلال العشرين سنة الأخيرة، ثم ثبت أنها كانت مجرد إشاعات، هو نفسه كان أحد مصادرها خصوصا في الأوقات التي كان يضطر فيها إلى تغيير إنتمائه والهجرة من عاصمة عربية إلى أخرى وآخر عمل غريب قام به هو تكليفه عدد من أعضاء تنظيمه للشهادة في المحكمة ضد المتهمين الليبيين في حادث إسقاط الطائرة الأميركية فوق قرية لوكيربي باسكتلندا وكان يسافر على متنها عدد من رجال المخابرات الأميركية الذين كانوا يعملون في بيروت ومن المفارقات الغريبة في حياته أنه بالرغم من تعاونه فترة طويلة مع النظام العراقي وعمله مع الأجهزة العراقية ووفقا لتعليماتها إلا أنه تحالف مع الكويت وعمل لمصلحتها. ولكن هل أبونضال حالة خاصة ؟ أم هو حالة طبيعية لتشرذم العالم العربي وتفككه وانقسامه، وهو نتاج طبيعي لإنقسام الثورة العربية إلى عدة ثورات وكل قطعة أرض تدعي أنها الثورة الأم، وان ما عداها هي ثورات تقليد أو أنها ترفع شعارات كاذبة وأضاليل. إن أبو نضال عاش وترعرع بفضل الخلافات العربية التي استفحلت لدرجة أن قطرين عربيين يرفعان الشعار نفسه ويعتنقان المذهب نفسه ظلا على قطيعة أغلب السنوات، لدرجة أن حدودهما البرية لم يعبرها على الناحيتين أي عصفور أو غراب، لقد عاش ابو نضال حياته مضطربا ومتنقلا بين قطر وآخر، واشتغل باسم الثورة ومات بسببها، وارتكب من المآسي والكوارث ما يحتاج إلى كتاب ضخم قد تنتهي صفحاته قبل أن تنتهي الكوارث والمآسي، إن نهاية المناضل (أبو نضال) تحتم علينا أن نتوقف طويلا لننظر في أمورنا وندقق في أحوالنا ونأسف على المصير الذي انتهى إليه أبو نضال، الرجل الذي لا ينطبق شعار جدي الشيخ خليل معوض على أحد قدر انطباقه عليه «الحجر الداير لابد عن لطه» وقد دار أبو نضال كثيرا وطويلا وانتهى قتيلا في بغداد، نهاية طبيعية باعتبار أن طباخ السم لابد أن يتذوقه، وقد ذاق أبونضال من نفس الطعام الذي أذاقه لكثيرين .