كشفت تصريحات ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي التحريضية لتوجيه ضربة وقائية للعراق، عن تناقضات صارخة في الخطاب السياسي لادارة جورج بوش فيما يتعلق بقضايا أمتنا العربية، عموما، ووصولها الى منعطف خطير فيما يخص المسألة العراقية، وعلاقتها بمجريات الأحداث وتطورات المخطط العدواني الاسرائيلي المتواصل ضد شعبنا العربي في فلسطين. ففي تصريحاته تبنى تشيني موقف المدافع عن قرع طبول الحرب، وتقمص دور المحامي العام عن جناح صقور الادارة المتشددين، داعيا الى التسريع بالضربة ورافضاً البقاء في خانة الانتظار او السكون، لأن عدم التحرك السريع سيجلب نتائج كارثية على أميركا. ورغم ان خطابه كان موجها لمحاربين قدماء ذاقوا حرارة وآلام الحروب، وتحمل اجسادهم تذكاراتها الدامية، إلا أنه دق طبول الحرب تحت ذريعة الخوف من وقوع اسلحة الدمار الشامل في أيدي ارهابيين، متناسيا حقيقة عدم وجود دليل حتى ـ لو كان واهيا ـ حول امتلاك العراق المحاصر منذ 12 عاما لمثل هذه الاسلحة. ولم يفلح تشيني في تفنيد حجج المعارضين داخل صفوف حزبه الجمهوري للجوء للخيار العسكري، واكتفى بوصف رؤاهم بـ «العمياء». اللافت ان كلمات تشيني وتصريحاته النارية الداعية لتوجيه الضربة الوقائية اثارت مخاوف البيت الابيض الذي يجد نفسه محاصراً بموجة رفض دولي لخططه لضرب العراق، فاضطر الى تقديم تبرير وشرح مفاده ان الضربة الوقائية تعني مواجهة الارهاب في مرحلة ما بعد 11 سبتمبر. والشاهد ان ادارة بوش لا تكاد تخرج من تناقض لتقع في آخر، في محاولة يائسة لترحيل ازمتها الداخلية الخانقة وترجمتها في حروب وغزوات عبثية تحت وهم محاربة الارهاب، وهي تخلق البيئة الدولية لتنامي الخطر الارهابي. وتكمن تناقضات الخطاب السياسي لادارة بوش في محاولة البحث عن ذرائع ومبررات لسياسة ارهاب الدولة التي تمارسها ضد العراق، وتمارسها اسرائيل ضد الفلسطينيين. وكلما انكشف أحد التناقضات تلجأ الادارة لتبرير جاهز مسبقاً مؤداه إما القول بأن تصريح هذا المسئول او ذاك مجرد «زلة لسان» أو تكرار عبارة «لم نتخذ بعد قرار الضربة». ويبدو ان هذه المبررات لم تعد كافية لعلاج التناقضات وبات ملحا على الادارة الأميركية ان تنصت لأصوات الحكمة سواء داخل الولايات المتحدة أو في اوروبا او في وطننا العربي، ليس فقط من أجل تجنيب العراق الضربة، بل لانقاذ المصالح الأميركية التي تغامر بها هذه الادارة المسكونة بهاجس الخيار العسكري