البشر يولدون متساوون كأسنان المشط، لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح كما يخبرنا الحديث الشريف، هذا المبدأ تؤكد عليه ايضا كافة الاديان والمذاهب والقوانين في كل مكان وزمان. لكن ـ وقاتل الله كلمة لكن ـ فان هذا الشعار شأنه شأن غيره من المباديء لا قيمة له احياناً عندما يتعرض للتطبيق على الارض. وبالطبع فأمثلة الانتهاك الصارخ لهذا المبدأ تتوافر امام اعيننا ليل نهار بل وفي كل لحظة خاصة من أميركا واسرائيل وسائر القوى الكبرى المتجبرة. وفي الايام الأخيرة نشرت وسائل الاعلام مجموعة من الاخبار المتفرقة تصب جميعها ليس فقط في خانة أن الناس ليسوا متساوين بل وتؤكد ان لكل منهم سعراً متفاوتاً حسب قيمة ووزن دولته ومدى تأثيرها في الاوضاع العالمية. في صحف أمس على سبيل المثال نشرت جريدتنا أن الخلاف بين شركة طيران الخليج واقارب ضحايا طائرة الايرباص المنكوبة في اغسطس عام 2000 لم يتم تسويته بعد ويدور حول تقدير قيمة التعويض المستحق لكل قتيل، وهل يتم مساواة التعويض المدفوع للكبير بالتعويض المدفوع للطفل المتوفى؟ والمعروف أن التعويض الشائع بين شركات الطيران هو 50 ألف دولار لكل ضحية. وقبل أيام طالب تجمع لاقارب ضحايا أحداث سبتمبر في أميركا من هيئات وشخصيات عربية وأجنبية عبر دعوى قضائية بدفع تعويضات تصل الى ثلاثة تريليونات من الدولارات، بما يعني أن التعويض المطلوب لكل قتيل أميركي هو 200 مليون دولار، اما مبلغ التعويض الذي ستدفعه ليبيا لأقارب ضحايا حادث لوكيربي فسوف يصل الى حوالي عشرة ملايين دولار لكل ضحية طبقاً لتسريبات محامين يحاولون انهاء هذا الملف. ومازلنا في حديث الارقام، فعندما قصفت الطائرات الاميركية احد حفلات الزفاف الافغانية بحجة أنها تجمع لمقاتلي وأنصار القاعدة وقتلت العشرات، فان واشنطن انتهى بها الامر الى انها ستدفع 200 دولار لكل ضحية (مئتا دولار فقط وليس مائتي مليون). اذن الحديث عن المساواة بين البشر اصبح خرافة في ظل العولمة الأميركية التي لا تكف عن مطالبتنا صباح مساء بالديمقراطية والشفافية، فدم الأميركي يساوي من وجهة نظر واشنطن 200 مليون دولار عندما يسقط بيد العربي أو المسلم، في حين انها عندما تقتل مسلماً في افغانستان فالثمن هو 200 دولار فقط!. هذه هي بورصة الاسعار الدولية لأرواح البشر، هناك طبعاً بورصات محلية طبقاً لحالة كل دولة خاصة ظروفها وثرواتها الاقتصادية، وعلى سبيل المثال فان مصر وعقب كل كارثة كبرى يسقط فيها ضحايا كثيرون مثل انهيار العمارات الضخمة، تقوم وزارة الشئون الاجتماعية بصرف 200 جنيه مصري مقابل كل ضحية، ولكن لأن هذا المبلغ لم يعد يساوي الا حوالي 40 دولاراً فقد ارتفعت القيمة الان لتصل الى حوالي 1000 جنيه في حادث قطار الصعيد الاخير اي ما يساوي 200 دولار، وبالطبع فلو كانت مصر دولة غنية على المستوى الاقتصادي لدفعت لضحايا الكوارث الكثير، مثلما تفعل بعض الدول العربية الاخرى التي يتراوح فيها التعويض لضحايا حوادث العمل ما بين 15 ـ 20 الف دولار. ورغم ان اميركا تمارس تناقضاً صارخاً حينما يتعلق الامر بالخلاف حول تسعيرة مواطنيها وتسعيرة الاجانب خاصة اذا كانوا من العالم الثالث، فان السلوك الأميركي المرفوض يعتبر كرماً كبيراً اذا قورن بالبخل الصهيوني القديم والمتجدد، فاسرائيل وعبر جهازها القضائي الذي تقول انه محترم وديمقراطي أصدر قبل اسابيع قليلة قراراً لا يقبل النقض بأن ضحايا جيشها المحتل لا يستحقون اي تعويضات حتى لو استشهدوا أثناء نومهم، ليس ذلك فقط، بل انها تمارس القتل العمد مع سبق الاصرار والترصد ضد العرب منذ عام 1948 وحتى اللحظة، ولا تكتفي بعدم الدفع كتعويض بل انها تطالب ضحاياها «الذين هم نحن» ان ندفع لها اتاوات تعويضات في صورة تطبيع او فتح اسواق او تعويضات عما تسميه املاك اليهود العرب، اسرائيل تريدنا ان نشكرها وندفع لها مقابل انها تتكرم بقتلنا لانها في النهاية تتعامل مع كل ما هو غير يهودي باعتباره من «الأغيار» وان هذا الآخر لم يخلق الا لخدمة اليهودي كما تقول التوراة المحرفة. اليوم فقط وبعد أن تأكدت ان لكل شخص تسعيرة مختلفة تذكرت كلمات صديقي الساخر اكرم القصاص الذي يهوى اختراع الامثال والحكم حينما قال: «ان تكون مواطناً أميركياً خير من أن تكون رئيساً لدولة أفريقية»!!