اصبح مصطلح ثورة المعلومات وغيره من المفاهيم، كالمجتمع المعلوماتي ومجتمع الحاسوب ومجتمع ما بعد الصناعة ومجتمع ما بعد الحداثة، ومجتمع اقتصاد المعرفة والمجتمع الرقمي وغيرها من المصطلحات، المميز الرئيسي لحقبة تاريخية هامة من تاريخ البشرية. فاذا عرف الانسان مجتمع الزراعة فإن حدث الثورة الصناعية قلب الامور رأساً على عقب، اما ثورة المعلومات فقد جاءت بمقاييس وقيم جديدة حيث انها اسهمت في توسيع الهوة بين الذي يملك ويتحكم في تكنولوجيا الاتصال، وبين الذي يبني قراره على بيانات واحصاءات ومعلومات، وبين الذي ما زال لم يتخط بعد مرحلة المجتمع الزراعي. قديما كان العنف هو مصدر القوة وبذلك سيطرت الدول التي تتمتع بالقوة على مجريات الامور في المجتمعات القديمة، وبمرور الزمن اصبحت الثروة هي مصدر القوة والازدهار والتحكم في الاقتصاد والسياسة والشئون العسكرية، واخيراً وصلت البشرية الى مرحلة اصبحت المعلومة فيها هي مصدر القوة. ومجتمع المعلومة هو ذلك المجتمع الذي يحسن استعمال المعلومة في تسيير اموره وفي اتخاذ القرارات السليمة والرشيدة، وكذلك هو ذلك المجتمع الذي ينتج المعلومة لمعرفة خلفيات وابعاد الامور بمختلف انواعها، ليس في بلده فقط بل في ارجاء كبيرة من العالم. واذا اخذنا المجتمع الاميركي كمثال ومجال مرجعي واستدلالي، نلاحظ انه في الفترة من 1860 الى 1906 كانت عمالة الزراعة هي المسيطرة على العمالات الاخرى، وان الاقتصاد الاميركي كان مبنياً اساساً على القوة الزراعية، وجاءت المرحلة الثانية والتي امتدت من 1906 الى 1954، حيث اصبحت الصناعة هي المحور الرئيسي في الحياة الاقتصادية الاميركية، وابتداء من سنة 1954 ظهر المجتمع المعلوماتي، حيث تشير آخر الاحصائيات الى ان اكثر من 65% من اليد العاملة الاميركية تشتغل بقطاع المعلومات او بمجالات لديها علاقة مباشرة بالمعلومات. مصادر القوة ما ينسحب على اميركا نجده في معظم دول الشمال حيث فرض المجتمع المعلوماتي نفسه على الصعيد الدولي واصبح جزءاً لا يتجزأ من النظام الدولي الجديد، وبذلك اصبحت المعلومات وليس المواد الاولية او المستعمرات هي محور المجتمع البشري واحد ثوابته ومقوماته، والاهم من هذا وذاك هو ان مكونات وعناصر المجتمع المختلفة سواء كانت اقتصادية ام ثقافية ام تكنولوجية ام اجتماعية ام غيرها، تعتمد اعتماداً جوهرياً على المعلومات ويقدر نجاحها بمدى قوة استعمالها واستغلالها للمعلومات. ان انشطة المجتمع الانساني بمختلف انواعها واشكالها تحتاج الى معطيات ومعارف وبيانات ومعلومات حتى تؤدي دورها على احسن وجه وحتى تستطيع ان تنافس غيرها ومثيلاتها، سواء على المستوى المحلي او الدولي حتى تبقى وتضمن نجاحها. ومن جهة اخرى فالمجتمع مطالب كذلك بانتاج المعلومات اي البيانات والمعطيات والاحصائيات والمؤشرات حتى يعي ماذا يجري بداخله وحوله وحتى يوفر لمختلف قطاعاته المعلومات والمعطيات الضرورية لاداء احسن ومردودية اكبر. ان ثورة المعلومات التي أصبحت هي الميزة الرئيسية للقرن الحادي والعشرين ومن دون شك ستكون الميزة الرئيسية لقرون مقبلة، تأثرت أو تداخلت مع ثورة أخرى وهي ثورة وسائل الاتصال الحديثة، وكل هذا أدى الى انفجار معلوماتي كبير جداً بحيث أصبح من العسير جداً على الانسان استيعاب كل المعلومات المتوفرة لديه ودراستها واستغلالها كما ينبغي. وهذه الصعوبة تحتم لا محالة على الأفراد والمجتمعات تطوير تقنيات وأساليب تجميع وتخزين ومعالجة المعلومات بطريقة رشيدة وذكية وعقلانية. ولهذا اصبح الصراع على الصعيد العالمي في يومنا هذا هو الصراع على انتاج المعلومة وكيفية استغلالها واستعمالها في المجال الصحيح. وهكذا أصبح للمجتمع المعلوماتي أبعاد مختلفة ومتشابكة يجب استغلالها كما ينبغي حتى لا نبقى نعيش على هامش المجتمع الدولي. ومن أهم هذه الأبعاد ما يلي: ـ البعد الاقتصادي: تعتبر المعلومة في المجتمع المعلوماتي هي السلعة أو الخدمة الرئيسية والمصدر الأساسي للقيمة المضافة وخلق فرص العمل وترشيد الاقتصاد، وهذا يعني ان المجتمع الذي ينتج المعلومة ويستعملها في مختلف شرايين اقتصاده ونشاطاته المختلفة هو المجتمع الذي يستطيع ان ينافس ويفرض نفسه. ـ البعد التكنولوجي: مجتمع المعلومات يعني انتشار وسيادة تكنولوجيا المعلومات وتطبيقها في مختلف مجالات الحياة في المصنع أو المزرعة والمكتب والمدرسة والبيت... الخ. وهذا يعني كذلك ضرورة الاهتمام بالوسائط الاعلامية والمعلوماتية وتكييفها وتطويعها حسب الظروف الموضوعية لكل مجتمع سواء فيما يتعلق بالعتاد أو البرمجيات، كما يعني البعد التكنولوجي لثورة المعلومات توفير البنية اللازمة من وسائل اتصال وتكنولوجيا الاتصالات والمعلومة وجعلها في متناول الجميع. ـ البعد الاجتماعي: اجتماعياً يعني المجتمع المعلوماتي سيادة درجة معينة من الثقافة المعلوماتية في المجتمع وزيادة مستوى الوعي بتكنولوجيا المعلومات وأهمية المعلومة ودورها في الحياة اليومية للانسان. والمجتمع هنا مطالب بتوفير الوسائط والمعلومات الضرورية من حيث الكم والكيف ومعدل التجدد وسرعة التطوير للفرد. ـ البعد الثقافي: ثقافياً يعني مجتمع المعلومات اعطاء أهمية معتبرة للمعلومة والمعرفة والاهتمام بالقدرات الابداعية للأشخاص وتوفير جو حرية التفكير والابداع والعدالة في توزيع العلم والمعرفة والخدمات بين الطبقات المختلفة في المجتمع، كما يعني نشر الوعي والثقافة المعلوماتية في الحياة اليومية للفرد والمؤسسة والمجتمع ككل. ـ البعد السياسي: سياسياً يعني المجتمع المعلوماتي اشراك الجماهير في اتخاذ القرارات وبطريقة رشيدة وعقلانية أي مبنية على استعمال المعلومة، وهذا بطبيعة الحال لا يحدث إلا بتوفير حرية تداول المعلومات وتوفير مناخ سياسي مبني على العدالة والمساواة واقحام الجماهير في عملية اتخاذ القرار والمشاركة السياسية الفعالة. كما أسلفنا الذكر فإن المجتمع المعلوماتي لا يقتصر على انتاج المعلومة وتداولها، وإنما يحتاج الى ثقافة تقيّم وتمجد من ينتج هذه المعلومة ويستغلها في المجال الصحيح. الأمر الذي لا يتعلق بالمادة فقط، أي بالمعلومة كمادة خام، وإنما الأمر أعقد من ذلك بكثير حيث ضرورة ايجاد محيط ثقافي واجتماعي وسياسي يؤمن بالمعلومة ودورها في الحياة اليومية للمجتمع. موقع العرب ما هو موقع ومكانة العرب في هذه المعادلة الجديدة؟ ما هي العدة التي اعدتها الدول العربية لمجتمع المعلومات؟ وما هي السياسات التنموية والاستراتيجيات المختلفة التي اعتمدتها للاستفادة من الانفجار المعلوماتي واللحاق بالدول المتقدمة وتفادي التهميش والتخلف؟ للاجابة عن هذه التساؤلات يجب العودة الى الوراء والقاء نظرة نقدية لواقع العالم العربي في المجال العلمي والمعرفي والمعلوماتي. ـ أولا:نلاحظ ان الموازنات التي تخصص للبحث العلمي في الوطن العربي لا تكاد تذكر وهي عادة ارقام هشة تأتي بعد الفاصلة وعدة اصفار. وهذا يعني ان العالم العربي لا يعرف نفسه ولا خباياه ما دام ان البحث العلمي فيه لا يرقى إلى الاهتمام الضروري والكافي. فمؤسسات البحث العلمي في الوطن العربي تسيطر عليها البيروقراطية والشكليات أكثر من اي شيء اخر، ونفس الشيء يمكن قوله بالنسبة للبحث العلمي داخل المؤسسات الجامعية. ـ ثانيا: في معظم الدول العربية لا تعتمد الانظمة السياسية على بيانات ومعلومات ودراسات في اتخاذ قراراتها. وهذا يعني ان المعلومة كمصدر قوة لا تعني شيئا بالنسبة للكثير من اصحاب القرار في الوطن العربي، وهذا يتناقض اساسا مع روح وفلسفة المجتمع المعلوماتي. ـ ثالثا: في معظم الدول العربية مازالت وسائل الاعلام تعاني من الرقابة والولاء الأعمى للانظمة، وهذا يعني ان مصدراً من المصادر الرئيسية للمعلومات يعتبر مبتورا ولايقوم بدوره في المجتمع كما ينبغي. وهنا يجد المواطن العربي نفسه امام خطاب اعلامي لا يتفاعل ولا يتماشى مع روح المجتمع المعلوماتي. ـ رابعا: تهميش المواطن العربي وعدم اشراكه في الحياة السياسية وفي عملية اتخاذ القرار، وهذا الموقف من الفرد ينفي اساسا فكرة اهمية المعلومة وكونها مصدر قوة في المجتمع. ـ خامسا: ضعف البعد الاستشرافي والاستراتيجي في العديد من الدول العربية حيث معالجة الاوضاع والقضايا بطريقة يومية روتينية. مما تقدم يتوجب على الدول العربية ان تفكر مليا في اشكالية المجتمع المعلوماتي وما هي المستلزمات الضرورية التي يجب ان نسهر على توفيرها حتى نشارك في هذا المجتمع ونصبح فاعلين فيه وليس متفرجين نتلقى ولا نحرك ساكنا. 1ـ من أولى الاولويات التي تنتظر الوطن العربي ضرورة وضع استراتيجية معلوماتية على مستوى كل دولة عربية ومن ثم على مستوى الوطن العربي ككل. والمنظور الاستراتيجي هذا يجب بطبيعة الحال النظر اليه في اطار التنمية الشاملة بمختلف ابعادها وحيثياتها ووفق معطيات وظروف الوطن العربي. 2ـ ضرورة تحديد وتوفير البنية التحتية الضرورية لموارد ووسائل وتكنولوجيا المعلومات وتطبيقاتها وخدماتها. والمقصود هنا هو عدم المساومة بما هو ضروري واستراتيجي لأي نمو في مجال انتاج المعلومة وتخزينها واستغلالها فالمطلوب هنا هو انشاء البنى الاساسية للمجتمع المعلوماتي والمتمثلة في الموازنات المعتبرة ومراكز الابحاث والتدريب، شبكات الاتصال، والقوى العاملة وغير ذلك من المستلزمات الضرورية. 3ـ توفير حرية الصحافة وحرية التعبير وحرية الرأي وتكريس حق الفرد في الاعلام والحصول على المعلومات، وبهذا نضمن مشاركة واقحام افراد المجتمع في المساهمة في الحياة السياسية واتخاذ القرار. 4ـ وضع استراتيجية موحدة على مستوى الوطن العربي لانتاج المعدات والبرمجيات حتى نتمكن من تحديد مصيرنا بأنفسنا والتخلص من التبعية والاعتماد على الغير. 5ـ تطوير النظم التعليمية العامة والخاصة وفق مقتضيات المجتمع المعلوماتي وضرورة اشراك مراكز الدراسات والابحاث والجامعات والمعاهد العليا في صناعة المعلومات، وبذلك نهيئ صناعة القرار لمواكبة عصر المعلومة والتفاعل معه وفق اهداف ومتطلبات التنمية الشاملة. 6ـ غرس قيم وافكار جديدة في المجتمع تتماشى وروح العصر الجديد حيث رشادة القرار واعتماد المعلومات والبيانات العلمية في حياة الفرد والمؤسسات والمجتمع ككل. 7ـ انشاء شبكة عربية للمعلومات تكون بمثابة بنية تحتية مشتركة تساهم في عملية توفير ومد الدول العربية قاطبة بالمعلومات الضرورية والاستراتيجية لعملية التنمية الشاملة. فالشبكة تعمل على امداد الدول العربية بالمعلومات التي تدعم صانعي القرار والمخططين في اتخاذ القرار السليم. ونشير هنا الى مبادرات قيمة قامت بها بعض الدول العربية يجب تعميمها ومواصلة العمل بها. العملية ليست بتلك البساطة وانما تحتاج الى جد واجتهاد ومثابرة وعمل، لأن عصر المعلومات لا يرحم ومن يتأخر عن الركب سينساه الزمن الى الابد. فدخول القرن الحادي والعشرين لا يتم إلا عن طريق بوابة المجتمع المعلوماتي بما يحتويه من ابعاد وخلفيات، والامر بكل ابعاده وخلفياته يحتاج الى دراسة وامكانيات ووسائل وارداة قوية من جميع مكونات المجتمع سلطة ومؤسسات وشعب. وليبدأ العالم العربي في التفكير في معالجة الأمية (80 مليون نسمة) ومحاولة القضاء عليها ودراسة النسبة التي لا تكاد تذكر (واحد بالمئة) في مجال استخدام الانترنت وسبل حل هذا الضعف الفظيع على المستوى العربي. المهمة شاقة لكنها غير مستحيلة. ـ قسم الاتصال ـ جامعة الشارقة