تطبيق «النموذج الافغاني» على العراق هو احد السيناريوهات التي يعكف على دراستها خبراء الاستراتيجية بشقيها العسكري والسياسي في وزارة الدفاع الاميركية (البنتاغون). ولذا فإن التطورات المتصلة بهذا النموذج الفريد يجب ان تستأثر باهتمام كل متابع عربي. وأحدث الاخبار في هذا الصدد هو ان الادارة الاميركية قررت استبدال طاقم الحراسة الامنية للرئيس الافغاني حامد قرضاي من عناصر عسكرية الى عناصر أمنية مدنية. ولكن المغزى الحقيقي للخبر هو ان الطاقم في شكله الجديد كما في شكله القديم يتكون من اميركيين. ولا احسب اننا نتجاوز حدود الحقيقة اذا استنتجنا ان هذا المثال وما يعكس من رؤية اميركية استراتيجية لحاضر افغانستان ومستقبلها، هو المراد نقله الى الحالة العراقية على افتراض ان واشنطن تعني ما تقول من ان الهدف من خطة غزو العراق هو الاطاحة بنظام الرئيس صدام حسين، لاستبداله بنظام تتحكم الادارة الاميركية في ارادته حتى من الناحية الشكلية. ولا يتطلب الامر قدرا كبيرا من الخيال الموضوعي اذا اردنا ان نتصور عراقا على النموذج الافغاني. يكفي ببساطة ان نمعن النظر في ملامح الصورة الافغانية المتحركة التي تتبلور لمدى الشهور الاخيرة. فلنستعد الى الاذهان باديء ذي بدء ان خطة تنصيب النظام الافغاني الجديد بما في ذلك اختيار رئيسه لم ترسم في كابول وانما في مدينة بون الالمانية. وكون ان الاجتماع الذي افرز انشاء النظام وتعيين رئيسه عقد تحت مظلة هيئة الامم المتحدة، فإن هذا العامل الاجرائي الشكلي لا ينفي حقيقة ان الترتيبات كانت اميركية من الألف الى الياء. هذا المشهد العجيب سوف يتكرر اذا قدر لواشنطن اخيرا ان تدخل مغامرة غزو العراق وكللت حملتها بنجاح افغاني الطابع. فقيادات المعارضة العراقية في الخارج التي تعمل ـ على اختلاف توجهاتها ـ لحساب وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية على استعداد لاقامة جهاز حكم في بغداد على قمته السلطوية رئيس يعتمد في حماية نفسه على حرس امني اميركي ويتلقى تعليماته اليومية من قائد القوات الخاصة الاميركية. على انه ربما يكون هناك عنصر اختلاف معين بين الحالة الافغانية والحالة العراقية. هذا الاختلاف يتجسد في حقيقة ان العراق كرقم عربي كبير جزء لا يتجزأ من معادلة الصراع العربي الاسرائيلي في منطقة الشرق الاوسط. اجل ان افغانستان، بالمقارنة، جزء لا يتجزأ من الصراع الدائر في آسيا الجنوبية بين المسلمين والهندوس، خاصة فيما يتعلق بمستقبل كشمير والصراع الدائر بين روسيا والولايات المتحدة حول مستقبل دول آسيا الوسطى. لكن في الحالة العراقية تتطابق الاجندة الاسرائيلية مع الاجندة الاميركية لدرجة انها باتت اجندة موحدة. ـ ماذا يعني ذلك؟ ـ يعني انه بينما أريد لافغانستان ان تكون قاعدة انطلاق اميركية في منطقة آسيا الجنوبية والوسطى، فإن ما يراد بالعراق هو ان يتحول الى قاعدة انطلاق اسرائيلية ذات واجهة اميركية شكلية عند نهاية المطاف. فإذا سقط العراق ـ لا قدر الله ـ وقامت في بغداد حكومة عميلة تحت اسنة القوات الخاصة الاميركية، فإن زمام الامور في العراق «الجديد» سوف ينتقل سريعا الى الموساد الاسرائيلي. عند ذلك ينفتح عهد جديد في مسار الصراع العربي الاسرائيلي لغير صالح الامة العربية والاسلامية. ومرة اخرى، بعين الخيال الموضوعي نستطيع ان نتصور بعض التطورات الخطيرة التي سوف تترتب على بروز عراق خاضع للارادة الاسرائيلية عن طريق واشنطن. فالعراق سوف يتحول الى قاعدة استخبارية ضخمة تنطلق منها عمليات للتخريب في ايران وسوريا ولبنان معا، تتصاعد الى مستوى قلب نظام الحكم. وسوف نرى الحكومة العملية الجديدة في بغداد تفتح صنابير النفط الخام العراقي على الآخر لمضاعفة معدلات صادراته الى السوق النفطية، من اجل تقليص سعر النفط العالمي الى بضعة دولارات لتخفيف حالة الركود المتصاعدة في الاقتصاد الاميركي. وسوف نرى العراق وقد تحول الى قاعدة توزيع للسلع الاسرائيلية الى الاسواق الخليجية والعربية قاطبة بعلامات تجارية عراقية زائفة. وربما تتأجل خطة غزو العراق الى اجل غير مسمى، لكنها قطعا سوف تبقى بندا مهما على الاجندة الاميركية الاسرائيلية في عهد بوش او من يخلفه، طالما استمر الصراع العربي الاسرائيلي.