لقد أشكل علينا، عامة الناس، فهم كنه الحوار الذي تخوض غماره الفصائل الفلسطينية. فقد ترادفت علينا الأنباء التي تعمي الرؤية الصحيحة، وتشوه الفهم السليم. فما يتوالى علينا من أخبار يقع بين حدين، الوسائل والغايات. فقد صرح البعض بما يجعل الظن أن الخلاف يدور حول الوسائل حينما أكد، مثلا، أنه لا يجوز تقييد حق المقاومة في الزمان والمكان. كما أن البعض الآخر أبان بجلاء أن الحوار يشمل الاثنين لأنه ينصب على (الاتفاق حول لماذا نقاوم، وكيف سنقاوم). والفرقاء المجتمعون يخطئون في ثلاثة أمور: أولها، تغييب الشعب الفلسطيني عن تفاصيل الحوار، في الوقت الذي تعلمه إسرائيل. أليس الأوروبيون وبعض العرب أطرافا في تسيير الحوار وفي الجمع بين الفصائل؟ فلماذا لا يوثق بالشعب الفلسطيني حينما يوثق بالآخرين؟ فالتسريبات لا تزيدنا إلا ضلالا، وربما انقساما! أما الخطأ الثاني، فيقوم، كما يبدو، في الدخول في التفاصيل. وحينما يكون هناك فرقاء متعددون، ستكون الآراء والتوجهات، وبخاصة في التفاصيل، على قدر عددهم. وسيشتد الاختلاف كلما تعمق الحوار في بحث الجزئيات، وستتقارب المواقف كلما حام الحوار حول الأسس والمبادئ. أما الثالث، فهو الخلط بين الوسائل والغايات. وبعض هذا الخلط غائم. فالمقاومة حق وواجب، لكنها تبقى في النهاية وسيلة إلى غاية، وهو ما يدركه كل المتحاورين. ومع ذلك، فيبدو أن الأطراف قد نسيت ذلك في خضم نقاشها، حتى بات الواحد يظن أن المقاومة أصبحت غاية في نفسها، تخدعنا عن الغاية من قيامها وممارستها. فإن كانت وسيلة، فإن لها جوهرا واحدا هو فرض ممارستها، وإليها طرق مباحة من حيث ضرورة القيام بها. فلم لا يكتفى بالفرض، ولم التماهي بين الفرض والمباح؟ وحينما يكون الإشكال في المباح تصبح التنازلات من أجل القيام بالفرض ومنع الفتنة واجبة. وبعض الخلط واضح حينما يصبح قيام الدولة الفلسطينية غاية. وحينذاك قد يضيع الحق الذي هو الغاية. فالحق الفلسطيني واحد، وهو أن يعود الفلسطيني إلى أرضه، وله أن يمارس حقوقه حينذاك كائنا ما كانت مآلاتها، وقد لا يكون قيام الدولة الفلسطينية إحداها. المشكلة الحقيقية في التباين بين الفرقاء الفلسطينيين، تكمن في الغاية من المقاومة. فالنقاش الدائر حول الوسائل يبدو التفافا حول جوهر الخلاف، أي غايات الفرقاء. ففريق يريد قيام الدولة الفلسطينية على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، أو معظمها إن أمكن. ويرى في ذلك حلا للقضية الفلسطينية. أما حق العودة، فلم يعد لدى رموز هذا الفريق سوى مشكلة منغصة يمكن التخلص منها بالثرثرة حولها، بل أن بعضهم يضع الأمر بصيغة إما الدولة وإما حق العودة. فهم أيضا يستبدلون الغاية بالوسيلة. وفريق آخر، يرى عودة فلسطين كاملة، لكنه يظهر كأنه يجعل احدى وسائل العودة غاية في حد ذاتها. فإحدى وسائل عودة كامل فلسطين إلى أهلها قد تكون بقهر إسرائيل عسكريا، وهو ما لا تتيحه الظروف الدولية والإقليمية. فالحوار الجاري يغيب عنه الموضوع الأساسي وهو حق العودة. ولا يعني ذلك أن الوثيقة التي سيتفق عليها لن تذكره، ولكنه مغيب، لأنه لا يتصدر النقاش، ولأنه ليس جوهره، ولأنه ليس محور التفكير في الأنشطة من أجل استعادة حقوق الفلسطينيين. فقد تصدرت الوسائل، أشكال المقاومة وإقامة الدولة الفلسطينية، كل الحديث. واختفى حق العودة من كل ما نسمع ونقرأ. ولا يمكن لاحد أن يزعم أن هذا أمر متفق عليه، فهذا خداع للنفس أو تضليل للناس. فبعض الرموز الفلسطينية، حتى حينما يرتفع صوتهم بالمطالبة بحق العودة، فهم يقصدون العودة إلى دولتهم المنشودة، بل إن التمهيد لاعتبار حق العودة (كادوك) متوال لم يخفف منه إلا الحصار الإسرائيلي للسلطة. غير أن أخطر ما في هذا الحوار أنه لا ينبع من حاجات الشعب الفلسطيني، بل تدفع إليه حاجة السلطة الفلسطينية للخروج من مأزقها. فشارون قد أقعدها وشلها عن كل عمل، ثم يواصل اتهامها بأنها مسئولة عن كل العمليات ضد الإسرائيليين. فهي تريد انقاذ الفصائل الفلسطينية من ورطتها. ومرة أخرى تصبح الوسيلة، أي السلطة، غاية. كما أن بعض الأطراف العربية قد أرهقها الضغط والابتزاز الاميركيان، وتريد مخرجا من محنتها، فتجعل التضحية بالغاية الفلسطينية وسيلة إلى رضا الولايات المتحدة. والأوروبيون قلقون مما يجري لأنه يهدد مصالحهم، لكنهم لا يجرؤون على تحدي الإسرائيليين، فيجعلون التضحية بالحقوق الفلسطينية وسيلتهم إلى تلافي الخطر ونتائجه. ولو كفت السلطة الفلسطينية عن استلهام مصالحها الضيقة، ولو امتنعت عن الاسترشاد برغبات الآخرين، ولو أعلنت برنامجا واضحا، لا قيد فيه ولا غموض، يؤكد على أن كل حل لا يضمن تنفيذ قرار حق العودة فهو (كادوك)، فإنها حينذاك ستمسك زمام القيادة، ولن يكون أمام كل الفرقاء إلا الاتباع. فحينما تتحدد الغايات التي هي مطلب الشعب يصبح من يناقش أشكال الوسائل عبئا على الغايات. وحتى ذلك الحين فسيبقى التباين والاختلاف الصفتان الملازمتان للحوار الفلسطيني. ـ الرئيس السابق لبعثة الجامعة العربية في واشنطن