يموت كل يوم اكثر من فلسطيني واحد، ويقف العربي امام هذا الموت باحترام لانه موت واستشهاد في سبيل الوطن المفقود، ولكن موت هذا الفلسطيني بالذات ـ أبو نضال ـ يثير الكثير من التساؤلات ويقدم بعض العبر، فالفلسطيني الذي مات (أو انتحر حسب رواية ضعيفة) هذه المرة يأخذ معه الى لحده الكثير من الاسرار. لم يكن صبري البنا رجلا بمفرده، وقد كنى نفسه بـ «أبو نضال» حتى يقول للجميع انه مناضل صلب في مجرى القضية الفلسطينية ودهاليزها المختلفة، الا انه ضل الطريق ضلالا غير مسبوق، وارتكب من العنف العشوائي في منطقتنا المنكوبة ما لم يرتكب من قبل كل حركات التحرير العالمية. في السبعينيات، سمعت لاول مرة وبوضوح بصبري البنا، او ابو نضال وبالمجلس الثوري لفتح، كان ذلك، على وجه التحديد، أواخر اكتوبر سنة 1977، بعد ان كان اسم هذا التنظيم غامضا. وقتها استهدفت مجموعة من الارهابيين شخص وزير الخارجية السورية (نائب الرئيس حاليا) عبدالحليم خدام في مطار ابوظبي وهو في زيارة رسمية، وراح نتيجة المحاولة شخصية من اهم وأحب الشخصيات الخليجية الواعدة بالكثير ومن خيرة ابناء الامارات البررة، المرحوم سيف غباش وزير الدولة للشئون الخارجية في دولة الامارات العربية، الذي كان غيابه خسارة وطنية وانسانية شخصية. البداية.. والنهاية وتضخمت عندي الصور عن ابو نضال بعد ذلك التاريخ بأقل من سنة، عندما انطلقت في صبيحة يوم من ايام الكويت الساخنة (الخميس الخامس عشر من يونيو 1978) بضع رصاصات على مدير مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في الكويت وقتها، المرحوم علي ياسين، وهو في هزيعه الاخير من النوم. كان رن جرس الهاتف في بيته فاستيقظ ليرد عليه، وكان على الخط الآخر موظف في المنظمة يخبره ان وفدا من المنظمة قد جاء من الخارج ويريد ان يراه على عجل، دلف علي ياسين لتغيير ملابسه، وسرعان ما رن جرس الباب هذه المرة وما ان فتح الباب في حالة ارتباك حتى انطلقت بضعة رصاصات من مسدس كاتم للصوت استقرت سبع منها في جسده، وانسحب الجناة المحترفون بسرعة كما جاءوا تاركين الجثة بالقرب من الباب الداخلي للمنزل، والتي لم تكتشف الا عندما عادت زوجة المجني عليه، ميسر ياسين، في الساعة الحادية عشرة ظهرا، بعد ان كانت قد خرجت في الصباح الباكر لمراجعة طبيب الاسنان، فاكتشفت ما جرى. وقتها تأكد ان الجماعة قد ضربت هذه المرة في الكويت. تلك حادثتان من عشرات الحوادث كان مكانها ارض الخليج التي لم تقدر حرمتها، لكن قبل ذلك التاريخ وبعده وقعت ايضا احداث اغتيال وتفجير كان وراءها ابو نضال ومنظمته الضبابية. واصبح ابو نضال ومنظمته الغامضة مصدر تخويف وابتزاز للعديد من الافراد والشركات والنظم العربية، ولم يكن يمضي اسبوع في الغالب الا واخبار منظمة ابو نضال تتصدر صفحات الصحف، كان معظم كوادره من الطلبة والعمال المتحمسين الذين جند كثيرا منهم من ساحتي الخليج ولبنان، حيث وجد ابو نضال ومجلسه الثوري مساحة واسعة للتحرك. استضافته دول لتحقق اهدافا لها وفرت لعناصره التدريب والتنقل بين دول عربية وغربية وعلى امتداد العالم، واستخدمتهم ـ تحت ستار قضيتهم ـ من اجل غايات خاصة بها. بعض من الدول والمؤسسات دفع لمنظمة ابو نضال ما تريد اتقاء لشره، والبعض دفع له لتحقيق ما يريد. بدأ ابو نضال حياته العملية المثيرة التي انتهت اخيرا بنهاية مفزعة، كعامل لكهرباء، قليل التعلم مفتقر الى وعي بما يريد او يرفض، وشدته (المغامرة او الحياة السرية) بكل ما تتيحاه من تحرر وبعد عن المسئولية وما تتطلباه من اعباء كبيرة، ثم اصبح (المال) مغريا لهؤلاء الذين جندهم فاختلفوا معه عليه واختلف معهم بعد ان هيأ ـ ابو نضال ـ لهم من وسائل مكنتهم من الاستغناء عنه. ضياع البوصلة ومن يقرأ تاريخ الرجل ومنظمته ـ مما ظهر حتى الآن ـ تتوفر لديه قناعة بأنه ربما بدأ مناضلا، ولكنه انتهى بسرعة قصوى الى مقاول قتل وارهاب. لقد تحولت عنده الوسيلة الى غاية بحد ذاتها يؤجرها لمن يدفع اكثر، تنقل بين عدد كبير من الدولة العربية، وعرض خدماته على أجهزتها، ومن ثم انقلب عليها، لا لسبب مبدئي ولكن لمصلحة بحتة، فضاعت في تلك السنوات الطويلة بوصلة الهدف الاصلي، وضيع ما كان يمكن ان يفعله من اجل فلسطين. ابو نضال قصة دامية ومحزنة في مسيرة فلسطين، فهو لم يقتل من الاسرائيليين اكثر مما قتل من الفلسطينيين وحسب، بل قتل رفاقه دفعة دفعة، ووجبة بعد وجبة، وكان اغتيال صلاح خلف (ابو اياد) سنة 1991 الذي اتخذ موقفا متميزا من قضية احتلال الكويت، من ضمن افعال البنا مدفوعة الاجر. وعندما يعلن انتحار ابو نضال بالطريقة التي تمت بها يجوز لنا القول ان من عاش بالرصاص يموت به، وان من دخل جحر هذا النفق المظلم ـ المخابرات والتعاطي السري مع الاجهزة ـ فلا بد له ان ينتهي هناك دون رفيق أو ونيس غير اشباح ضحاياه. والاسئلة المطروحة حول انتحار (قتل) ابو نضال كثيرة، والاجابات التي قدمت كأسباب للقتل المرجح تصنيف اسئلة على اسئلة، بل ان وصفها ـ كما قالت السلطات الايرانية ـ بأنها مزحة هو الحقيقة بذاتها، فهل كان بوسع ابو نضال الدخول الى العراق دون علم الاجهزة حقا؟ وهل تراكم لديه هناك كل هذا السلاح الذي تحدثوا عنه في بلد كالعراق دون معرفة وانتباه أحد؟ تلك امور لا يقبلها عاقل رشيد، واسئلة لا تجد لها اجابة شافية. الا ان من المحتمل ان يكون ابو نضال فتح في السنوات الاخيرة بابا ولو خلفيا على تنظيم القاعدة او احد اجنحتها، وقد يكون ذلك الباب قد ادى لتورط دولة او جهاز أمني بما حدث لاحقا من عمليات ارهابية كانت تطوف العالم في السنوات الثلاث الماضية. وبسبب الحرب التي لا هوادة فيها على الارهاب عالميا، وبعد انكشاف وجود امر صبري البنا على العالم، اصبح عبء «ابو نضال» ثقيلا وشاقا واصبح الثمن الذي يمكن ان يدفعه باهظا ومكلفا على من يأويه او يتصل به. فلماذا لا يصفى إذا (جسد الجريمة) كما يقال، ويتم اعلان ذلك للقاصي و الداني، وحتى لا يتسرب ضبابيا وعلى استحياء، وبذلك تقرر ان (ينتحر) وتضيع الحلقة الوسيطة لتصبح حلقة مفقودة تحسبا لتطور الامور الى الأسوأ! ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت