تمتليء الذاكرة الجمعية للشعب الاميركي بذكريات ملأت ملف ذلك الشعب في جانب علاقته بحقوق الانسان بالصور المخزية تجاه الشعوب الاخرى، التي اقامت على تراب الارض الاميركية سواء أكانوا من الهنود الحمر أم من الأفارقة الزنوج الذين جلبوا في مرحلة تالية ليكونوا عبيداً لدى السادة الجدد!! لقد قدم هؤلاء المستوطنون عبر المحيط الاطلسي يحلمون بالاستيلاء على الارض الجديدة وقد حدث ما تمنوا وأملوا بشكل فاق التوقعات. فما ان حلّ ذوو العيون الزرقاء، والبشرة البيضاء والشعر الاصفر في تلك الارض النائية، وبدأوا في استكشاف المكان الذي اقاموا فيه، حتى تخيلوا انهم وصلوا الى ارض الاحلام، وان اطماعهم بات بلوغها قاب قوسين او ادنى منهم. لقد بدا السكان الاصليون بدائيين تماماً في نظر الرجل الابيض، الذي حكم عليهم بالسذاجة والتخلف والجهل بالحضارة، وكل ما يتصل بها والعجز عن استثمار مواردهم الطبيعية، وهو ما ابعدهم تماما عن الوصول الى مستوى السادة البيض بحسب النظرة العنصرية التي سيطرت على عقول اولئك القادمين من غرب اوروبا المهاجرين الى الارض البعيدة عن موطنهم الاصلي. وبحسبة المغامر الذي فقد كل شيء، ويريد ان يستولي على كل شيء، مهما كلفه الثمن، وثب هؤلاء البيض على الهنود الحمر سكان اميركا الاصليين وخاضوا ضدهم معركة استئصالية لا تعترف بالشراكة.. ولا ترضى أن يقاسمها الارض اولئك البدائيون!! ولهذا فقد سالت الدماء انهاراً، وجرت على تلك الرمال التي بكت سكانها الاصليين، وفجعت بهذا الكم الصارخ من العنف، والابادة، والتطاول على حق الشعوب المستضعفة في الحياة. لقد انتهت حسبة الرجل الغربي الى انه لن يعيش هانيء البال الا فوق جماجم اولئك البدائيين الذين سيكلف مشروع تطورهم الاموال الطائلة، فكان الحل الامثل هو نفيهم من الحياة، لأنهم لا يستحقونها، وغير مؤهلين لها!!. وهذا نص عنصري سجله بخط يده احد الكتاب الذي عبر عن النزعة العنصرية التي لا تعترف بالآخر ولا ترى له اي قيمة تذكر يؤكد ان حمى الاستخفاف بالبشر وصلت الى الكتاب ايضا الذين كان الواجب المهني يقتضي منهم ان يترفعوا عن مجاراة الروح العنصرية للساسة البيض، ولكنها الذهنية المستعلية على الشعوب الضعيفة هي التي تقف وراء آلاف المواقف التي يختلف ابطالها في مواقعهم وادوارهم في الحياة، لكنهم يتفقون على الاستخفاف بالاجناس الضعيفة من البشر. فقد كتب شخص اسمه «يونج» قائلاً: «لقد لاحظت حقيقة غريبة تقول ان الهندي لا يفكر، على الاقل لا يقوم حتى بمجرد ما نطلق عليه «التفكير» وهو يشبه البدائي في هذا الجانب». فالخيال العرقي هو الذي يؤكد ان الاشخاص البدائيين لا يعتبرون في مرتبة الشخص الابيض. وبذات المنطق العنصري الاستعلائي والعدائي للشعوب الضعيفة تم جلب السود الافارقة الى الارض الجديدة ليكونوا عبيدا في خدمة مختطفيهم البيض الذين سلبوهم حريتهم وامنهم وكرامتهم وعاملوهم على انهم «اشياء» وليسوا بشرا من لحم ودم. وفي كتاب «محاكمة علم النفس» يرى «دينيس هوايت» و«او سوبمباه» مؤلفا الكتاب ان «علم النفس» مضى في طريق تأكيد الروح العنصرية وتبريرها، وتأصيلها علميا وفق نظريات تعلي من شأن الرجل الابيض، وتطيح بسواه. حتى ان باحثا يدعى «كلوس» تتبع قاموس الالفاظ الشائع في الولايات المتحدة، فوجد ان مجرد كلمة «اسود» لها كثير من الدلالات السلبية بالنسبة للانسان العادي، اذ تقابل كلمات: شيطان، مذنب، عنف، غموض، وحدة، عداء. وعند البحث في القاموس سوف نجد ان هناك «55» معنى لكلمة اسود وهي في غالبها كلمات سلبية تؤكد انتشار الروح العنصرية في اوساط البيض، حيث وئدت اجمل المعاني الانسانية في نفوس اصحابها، وقبرت دون حياء مشاعر الاخوة في المواطنة والانسانية والمصير المشترك!! وكما شمل التمييز العنصري اللون والعرق البشري فها هو اليوم يشمل المخالفين في الرأي، لان فرض الهيمنة على الشعوب الضعيفة سبب يستحق ان تقام من اجله الحروب!! وسواء كانت هذه العداوة مختبئة تحت عباءة محاربة الارهاب، او الدفاع عن الديمقراطية، فالخلفية الفكرية للرجل الابيض لم تتغير يوما من الايام. انه منطق «الاستئصال» أو «التركيع» لاولئك الذين تقدر الروح العنصرية ان تتصدى لهم، وتلقنهم دروسها الكبيرة.