الحق انه نداء الى المسئولين عن كل الجوائز العربية، كجوائز الملك فيصل في السعودية، وجوائز مؤسسة التقدم العلمي في الكويت، وجوائز مؤسسة شومان في الاردن، وجوائز الدولة بأنواعها في مصر. لكن جوائز سلطان العويس في الامارات تتصدر الخواطر، ليس ـ فقط ـ بسبب العاطفة الخاصة التي أكنها لها منذ مولد فكرتها، وإنما ـ أيضاً ـ لثقتي بسرعة استجابتها، وبروح المبادرة المعروفة عنها، إذا اقتنعت وسمحت لها اللوائح. أما موضوع النداء فهو تخصيص جائزة للترجمة، تشجيعاً وتقديراً لذوي العطاء السخي القيم في مجال ترجمة الانتاج الثقافي غير العربي، من آداب وفنون وعلوم انسانية وعلوم تطبيقية حديثة. ولست أظن انني ـ أو ان أحدا آخر ـ في حاجة الى تكرار الحديث عن أهمية الترجمة كقوة دفع أساسية لحركة النهضة والتقدم في وطننا العربي، وكسبيل وحيد لتعريب التعليم وكل أنشطة العمل الوطني والقومي، وكحصن حصين للمحافظة على الهوية والثقافة القومية التي قوامها اللغة. لكنني ـ مع ذلك ـ أحب ان أذكر بمشهدين أو مثلين أرجو ان نجد فيهما الهاماً مفيداً. أولهما يعود الى عصر الخليفة العباسي هارون الرشيد وابنه المأمون، منذ نحو ألف ومئتي عام، حيث انشيء «بيت الحكمة» الذي ازدهرت فيه أكبر حركة ترجمة منظمة في التاريخ، ترجمت فيها الى العربية ثمار الفكر والعلوم والحضارة عن اللغات: اليونانية واللاتينية والفارسية والسنسكريتية (الهندية) والعبرانية والنبطية (الكلدانية). والخلاصة ان المسلمين نقلوا الى لسانهم معظم ما كان معروفاً عند سائر الأمم المتمدنة آنذاك من الفلسفة وعلوم الطب والرياضيات والكيمياء والزراعة والنجوم والآداب والفنون، وكان ذلك منطلق نهضة فابداع حضاري شامل، نهلت منه أوروبا فيما بعد، عن طريق حركة ترجمة مشابهة من العربية الى لغاتها المختلفة وبخاصة اللاتينية، وكان ذلك منطلق ما عرف بـ «عصر النهضة». ما يهمنا هنا هو عناية الخلفاء بالترجمة واغداقهم السخي على رجالها، حتى كانوا يمنحون مترجم الكتاب وزن كتابه ذهباً. أما المشهد الآخر فيأتي بعد ذلك بألف عام، كان نصفه الأخير محنة مريرة، خيم فيها على العرب والمسلمين الركود والتخلف، في الوقت الذي بدأت فيه اوروبا صعودها الحضاري، واتسعت الفجوة، حتى بدأت بشائر اليقظة القومية في مصر على يد واليها محمد علي والرائد العظيم رفاعة الطهطاوي، الذي ادرك ان نقطة بدء مسيرة الخروج من كهف التخلف هي «الترجمة» فراح يترجم بنفسه بعض عيون الكتب العلمية الفرنسية، ثم اسس «مدرسة الالسن» لتخريج المترجمين الذين مكنت انجازاتهم من تعليم الطب والهندسة والعلوم العسكرية وغيرها باللغة العربية، حتى ابتليت مصر بالاحتلال البريطاني الذي مالبث ان فرض لغته على التعليم. في هذين المشهدين او المثلين معان ودلالات مهمة، في مقدمتها ان تحديات التطور المتسارع في عالم الحاضر والمستقبل، تقتضي ضرورة رعاية الدولة للترجمة ضمن خطة قومية شاملة، تكون لها اولوية مطلقة، تسبق كل تلك الانشطة المظهرية التي تبدد فيها الطاقات والاموال، دون ان يكون لها او يرتجى منها عائد حضاري جاد. وبطبيعة الحال نحن لا ننسى، بل نحمد بكل العرفان، جهود الرواد العظماء الذين آمنوا بأهمية الترجمة، فأنجزوا اعمالا جليلة في مختلف فروع المعرفة، ونذكر في هذا السياق ـ على سبيل المثال ـ مشروع الالف كتاب، والمشروع القومي للترجمة في مصر، وراهب الترجمة زهير الشايب الذي وقف حياته على ترجمة موسوعة علماء الحملة الفرنسية «وصف مصر» والمترجم المبدع الدكتور سامي الدروبي الذي انجز روائع من الادب العالمي وتوجها بترجمة الاعمال الكاملة لديستويفسكي ونذكر بالامل المؤتمر الاول الذي عقدته مؤخرا المنظمة العربية للترجمة في مقرها بيروت. لكن الازمة والتحديات اكبر من كل ذلك وتقتضي خطة قومية شاملة، تتكامل فيها ادوار الجامعات والمؤسسات العلمية والثقافية، على امتداد اقطار الوطن العربي، وتعود فيها الترجمة الى بؤرة الاهتمام وذلك بسرعة تزويد المترجمين بثمار الفكر والمطابع والدوريات وتشجيعهم بالمكافآت السخية، والجوائز القيمة. نحن في حاجة الى «بيت حكمة» جديد.. فهل من مجيب؟ وحتى يتم ذلك، نرجو ونأمل المبادرات.. واتمنى ان يسجل لمؤسسة جوائز سلطان العويس الثقافية فضل السبق والمبادرة.