احدثك اليوم عن اسماعيل أدهم، الدكتور اسماعيل ابن الاميرلاي (العميد) أحمد بك أدهم وحفيد أدهم بك استاذ الأدب التركي في جامعة برلين وسليل أسرة ابراهيم باشا أدهم محافظ القاهرة، ناظر (وزير) الحربية والاوقاف على عهد محمد علي الكبير، مؤسس مصر المعاصرة بحق وامتياز. اسماعيل أدهم اسم ظل يراود الوجدان ويتغشى الذاكرة بين حين وحين مثل طيف غريب شارد أقرب الى النغمة الخارجة من والخارجة عن ايقاع السلم الموسيقى المعروف.. ليست بالنشاز ولكنها فريدة.. معزولة.. فيها وحشة واغتراب، عرفت عنه شذرات من بعيد لبعيد اذ عاش ومات قبل ان يظهر جليا الى حيز الوجود وحتى شذرات المعلومات كانت بدورها تسترعي الانتباه لفرط غرابتها واهمها ان الدكتور اسماعيل أدهم اصدر في عام 1938 كتابا في موضوع (الالحاد)، ويومها تصدى للرد عليه عدد من كبار مثقفي ذلك الزمن فاصدروا بدورهم كتبا تحمل عناوين من قبيل (لماذا أنا مسلم) أو (لماذا أنا مؤمن). ربما لهذا السبب لم أهتم بمعرفة المزيد عن الرجل أو ربما لاسباب اخرى.. المهم ان جاء الضيف اللافح في هذا العام فأجبرنا الى ان نظل رهين محبسين أولهما غرفة المكتب بعيدا عن شواغل البيت من طبخ وترتيب وتنظيف وثانيهما ملازمة المكيف العتيق الذي يتواصل دورانه لاهثا ويكاد هديره يرتفع بصوت متوسل ومتسائل يقول - متى بحق الله تحيلوننا الى التقاعد في مخزن المتاع المتهالك القديم ؟ وسط هذا كله قررنا ان نعرف المزيد عن الدكتور اسماعيل أدهم. فإذا بسيرة الرجل - غفر الله له - تتبدى في اهاب من عجب واعجاب.. ولد عام 1911 وفارق الحياة عام 1940: البيئة الاسرية والأوساط القومية - الثقافية - العقيدية التي نشأ في كنفها كانت - في رأينا - كفيلة بأن تزيد شخصية الفتى اسماعيل ثراء وتنوعا بقدر ما تزيدها تشوشا واضطرابا وصراعا.. هو كما اسلفنا ابن باشوات أمه ألمانية مسيحية تعتنق أفكاراً ليبرالية متحررة وأبوه مسلم محافظ كان من رفاق كمال اتاتورك ثم اثر ان يفارقه عندما بدا ان الزعيم التركي ينهج طريقا يتنافى مع أصول الاسلام. هذا الأب ـ أحمد بك أدهم ـ كانت والدته من بولندا فيما كان والده من تركيا.. ومشكلته انه مشغول عن ابنه الذي توفت امه الألمانية ولم يبلغ السنتين من العمر.. وهكذا أودعوا الطفل في كنف شقيقته التي نشأت في اسطنبول مسيحية ملتزمة في حين عهدوا بالاشراف العلمي على الطفل الى زوج عمته وكان شريفا عربيا يعيش في اسطنبول فحرص الرجل على ان يلقن الطفل تعاليم الاسلام ويصحبه الى زيارة المساجد ويحمله على حفظ القرآن الكريم. هذا الصراع العقائدي الثقافي اضيف اليه تناقضات المكان.. الطفل يشب في اسطنبول، وحين يبلغ الحلم ينزح به والده الى الاسكندرية وحين يدخل طور الشباب يشرع في هجرة علمية الى المانيا وتركيا ثم روسيا.. ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد بل نجد اسماعيل أدهم وقد تعددت الألسنة التي ينطق ويكتب ويعبر بها.. وهكذا كان يجيد ويستخدم 8 لغات هي: العربية والتركية والانجليزية والالمانية والروسية مع احاطة بالفارسية والفرنسية والايطالية.. لا عجب ان يصفه العلامة السوري الراحل سامي الكيالي قائلا ان الدكتور اسماعيل أدهم كان من نوابغ الشباب وكان آية في قوة التفكير وفرط الذكاء (مجلة «الحديث» الصادرة في حلب عدد أكتوبر عام 1940). في الثانية والعشرين من عمره نال اسماعيل أدهم درجة الدكتوراه في علم الرياضيات البحتة من جامعة سان بطرسبورغ في روسيا بعد أن قدم للجامعة رسالته عن الميكانيكا الجديدة وحسابات قانون الاحتمالات. في هذا السياق أيضا يوضح الناقد المصري الدكتور أحمد الهواري ان اسماعيل أدهم وضع رسائله العلمية عن (بناء الذرة والتكافؤ الذري) و(ميكانيكية اينشتين) وملاحظات على نظرية النسبية.. الخ، فكان ان انتخبته أكاديمية العلوم السوفييتية عضوا بها واختارته جامعة سان بطرسبورغ استاذا للرياضيات البحتة. عاش اسماعيل أدهم متنقلا بين مصر وتركيا كان ذلك ابان عقد الثلاثينيات الذي كان يموج باضطرابات عاتية وتعصف به أنواء صرصر شديدة في مجالات الثقافة والفكر والأدب والفلسفة والابداع حيث كان الصراع على أشده بين قوى التجديد التي كانت تجنح الى غلو التطرف الذي يكاد يكتسح كل ركائز الحضارة الشخصية القومية وبين القوى المحافظة التي تجنح بدورها الى غلو التجميد ومصادرة الآراء وقد لا تتورع في ذلك عن ان تتوسل بجبروت الدولة وسيف السلطة والسلطان. لا شك ان هذه العواصف العاتية.. وتلك الصراعات الرهيبة نالت من نفس اسماعيل أدهم.. الذي طلع على الناس في عصره وكأنه شهاب مارق مكتمل النضج مثل الأواني.. ثم طالعهم بكتابات فيها قدر كبير باق من روح الحداثة وحس المعاصرة ورصانة الناقد الموضوعي الرصين عن نقد طه حسين وعن مسرح الحكيم وشعر العقاد والابداع القصصي عند محمود تيمور.. اضافة الى دراسات عن (علم الانساب عند العرب) ودراسة عن (نظرية النسبية) كان الرجل نفسا يؤرقها الشوق الى المعرفة وتتقد جوانحها بجمر الثورة واستشراف الجديد كم اخطأ وكم اصاب ولكنه في هذا كله - كان يصدر - كما يوضح الدكتور أحمد الهواري - في كتابه عن الدكتور اسماعيل أدهم - عن نزاهة الرجل وجرأة الشجاع واخلاص الوفي وعفة النفس والقناعة بميسور الرزق مرتفعا في ذلك عن طلب المعونة دون ان ينتفع يوما بأي جزاء مادي لقاء ما كان يكتبه وينشره بين الناس. استقر المقام بالدكتور اسماعيل أدهم في الاسكندرية حيث كان يعيش من ريع عقار صغير كما يقول صاحب قاموس الاعلام.. ولا شك ان كانت معيشته أقرب الى الشظف ورقة الاحوال، فما بالك وقد تسلل مرض السل الى جسد الأديب المفكر فإذا به يكابد صراعا جديدا، لا بين جوانح النفس المضطربة بالفكر وحسب، ولكن بين جوارح البدن المهيض الذي تناوشته غوائل المرض الوبيل الفتاك. وهكذا نفذت سهام القضاء في السابعة من مساء الثلاثاء، يوم 23 يوليو من عام 1940.. لفظ البحر جثة شاب ظنها حراس الشاطئ لجندي من عساكر الحرب العالمية الثانية وكانت رحاها دائرة في تلك الأيام ولكن المعطف الأنيق الذي كان يرتديه الغريق المجهول ارشدهم انها جثة مدني لقي مصرعه بين لجة الموج في البحر المتوسط. وحين جاء رجال النيابة لم يعد المجهول مجهولا.. فتشوا سترته فوجدوا مذكرة بخط دقيق تحمل عبارات يقول فيها: - انه انهى حياته في البحر يأسا من الدين وزهادة في العيش.. وكان التوقيع: اسماعيل أحمد أدهم. هكذا اسدل الستار على تراجيديا هذا المثقف، كان عمره وقت النهاية هو 29 سنة غفر الله له وهو ارحم الراحمين.