يأتي مؤتمر قمة الأرض الثاني في جوهانسبرغ عاصمة جنوب أفريقيا، بعد مرور عشر سنوات على عقده في ريو دي جانيرو بالبرازيل في صيف عام 1992، والذي اعتبر في حينها نقلة نوعية على المستوى العالمي باعتباره أول قمة تناقش في أجندتها الخطورات التي تتهدد الطبيعة والإنسان على حد سواء. بل أكثر من ذلك جاء المؤتمر الأول في البرازيل قبل عشر سنوات خلت لينذر ببدء رحلة جديدة في حياة البشرية، افتقد بها العالم إلى رأس آخر قد يخلق حالة من التوازن، ليس على صعيد التنمية والبيئة فحسب، بل وفي القضايا الكبرى التي كانت ولا تزال معلقة تنتظر انقلابا كونيا آخر لحلها، وإن بدا بعيد المنال شيء ما. لكن وبعيداً عن قمة جوهانسبرغ عاصمة جنوب أفريقيا، التي ستستضيف المؤتمر في الفترة الواقعة ما بين 26 أغسطس و4 سبتمبر، والتي سيشارك فيها نحو 65 ألف مشارك منهم 100رئيس دولة، بهدف مراجعة أجندة القرن 21 في مجال البيئة والتنمية، واستعراض ما تم انجازه منها، وتحديد المعوقات التي حالت دون تنفيذها. لا بد من الاعتراف أن الأمة العربية تمتلك الكثير الكثير من الأولويات وتواجه الكثير الكثير من التحديات، التي لا يمكنها التهرب منها أو الالتفاف عليها أو حتى ترحيلها كما تعودنا على الدوام، رغم المساهمات العربية الفعالة خاصة مفاوضات «بالي» من خلال مجموعة الـ 77، باعتبارها الإطار الذي يمثل الدول النامية، أو إذا شئت دول العالم الثالث في المجتمع الدولي، التي أقرت حوالي 80 في المائة من بنود خطة العمل النهائية للمؤتمر الثاني في جوهانسبرغ. ودون أن نقلل مما بذلته الوفود العربية من جهود مكثفة قبل أكثر من أسبوعين خلت مع كل الأطراف الدولية للمطالبة بوضع مقررات إعلان قمة « ريو» موضع التنفيذ، والتصدي لمحاولات الغرب الرامية إلى إعادة التفاوض مرة أخرى إلى ما تم الاتفاق عليه قبل عشر سنوات في البرازيل، يجب الاعتراف بأن الأولويات العربية أو التحديات بالأحرى، لا تزال تتلخص في ضرورة تخفيف حدة الفقر، خاصة المجتمعات الريفية التي يعيش فيها معظم سكان الوطن العربي، والذي يتضمن بالضرورة العمل على سد الاحتياجات الاجتماعية المتمثلة برفع مستوى التعليم والطاقة والرعاية الصحية والغذاء الكفيل. دون أن نغفل ما جاء بالتقرير العربي المعد من قبل الأمانة الفنية لمجلس الوزراء العرب المسئولين عن شئون البيئة والمكتب الإقليمي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة بغرب آسيا، والهيئة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا، الذي بين أن العقد المنصرم شهد تحسناً ملحوظاً في المجالات الصحية والسكانية والتربية والتعليم، فضلاً عن تطورات وضع المرأة، واتساع دور مشاركة المجتمع المدني، إلا أن هذا التطورات لا تزال تواجه ضغوطاً ومعوقات متنوعة لسنا بصدد تعدادها في هذا المقام. بالإضافة إلى البحث أو التفكير الجاد باستحضار آليات أو طرق من شأنها أن تؤمن الحفاظ على الموارد الطبيعية والبيئية، كما أننا يجب ألا نغفل أن غرب آسيا بما في ذلك شبه الجزيرة العربية تعتبر الأكثر تأثراً من حالة شح المياه الآخذة بالتصاعد طرداً، خاصة بعد أن نوهت الأوساط المتخصصة لهذا الأمر في إطار الأمم المتحدة، التي توقعت أن يعيش أكثر من 90% من سكان هذه المنطقة في مناطق تعاني من شح المياه في 2023. ناهيك عن المشكلات المصطنعة المدفوعة بأهداف سياسية، التي تسعى إلى السيطرة على موارد المياه الرئيسية إن كان في بلاد الشام والعراق، أي ما يخص قضية الشراكة المائية بنهر الفرات أو في مصر والسودان، وما يخص روافد نهر النيل والتفكير في السيطرة عليها، والتي تسعى إسرائيل خلق تحالفات مع دول المنابع بهدف خلق مشكلات اقتصادية واجتماعية مركبة لهذه البلدان بهدف تفتيتها ليسهل السيطرة على فتاتها إذا ما أمكنها ذلك. مع التذكير بالطرق والأساليب المتبعة إسرائيلياً في سرقة مياه الجنوب اللبناني الذي أثر بدوره على الجنوب السوري والمملكة الأردنية، وسحب المياه الجوفية من المناطق الفلسطينية المحتلة بأعلى ما توصلت له التكنولوجيا الخاصة بهذا الجانب. مع الأخذ بعين الاعتبار، مخاطر العولمة التي تتركز في احتمال الحد من قدرة الحكومات على التدخل في قضايا توفير الخدمات الاجتماعية وحماية البيئة، مقابل الحفاظ على قدراتها التنافسية على المستوى الدولي. ورغم المزايا التي ترد إلى العولمة مثل نمو الاقتصاديات السريعة وارتفاع مستويات المعيشة، إلا أن البلدان العربية لم تحصد بعد كل تلك الفوائد شيئاً من كل الأكاذيب المعولمة، إما بسبب التوترات السياسية وبالتالي انعكاسها اقتصادياً وما يترافق مع ذلك من اختفاء الاستثمار الخارجي، أو في الكثير من الاتهامات التي توجه للحكومات بداية من سوء الإدارة وصولاً إلى الاتهامات بالفساد ولعل السلطة الفلسطينية تعتبر هذه الأيام إحدى أهم الضحايا من بين الحكومات العربية، دون أن نتجاهل وجود هذه القضايا لكن ليس كما يوصفها الخارج. هذه القضايا وغيرها تتطلب جملة من الإجراءات الاسعافية السريعة، تطال بدورها، تحسين ظروف المعيشة لجميع سكان الوطن العربي دون زيادة استخدام الموارد الطبيعية إلى ما يتجاوز قدرة الاقتصاديات العربية وجغرافيتها على التحمل، وبما يتضمن الأمر إحداث تكامل بين الإجراءات المزمع اتخاذها والتي تتلخص في التالي : أولاً : النمو الاقتصادي الذي يستلزم نهجاً متكاملاً لتهيئة النمو المسئول الطويل المدى، مع ضمان عدم تخلف أية دولة عربية أو مجتمع قطري عن آخر. ثانياً: العمل الجاد والمسئول لجهة الحفاظ على الموارد الطبيعية والبيئة.. ويتأتى ذلك الأمر من خلال إيجاد حلول قابلة للحياة في الحد من استهلاك الموارد العربية، وإيقاف التلوث والتصحر الحاصل في جميع الأقطار العربية بلا استثناء، وحفظ الموارد الطبيعية. ثالثاً: ضرورة تطوير برامج التنمية الاجتماعية، بما يتناسب مع التطور العالمي الحاصل، والحاجة الماسة عربيا إلى توسيع فرص العمل الذي بدوره سيكون رافداً أساسياً من روافد تأمين الغذاء، وهذا الأمر يتأتى من وجود برامج تعليمية من شأنها تأهيل الجمهور للقيام بمهامهم وبما يتوافق مع مجاراة التطور العالمي على المستوى التكنولوجي والتقني في آن معاً. رابعاً: الأهم من كل ما تقدم، ضرورة الالتزام الصارم بسياسة عربية موحدة تقوم على حماية الموارد الطبيعية، حتى لو كلف الأمر دفع ضريبة الدم، لأن القادم ينذر بالكثير من الأزمات المفتعلة وهي كثيرة جداً وهي تمتد على مساحة الوطن، ودون ذلك سنفتقد الأمن السياسي والأمن الاجتماعي - الاقتصادي، لنعيش بعد ذلك على فتات الآخرين. ـ كاتب فلسطيني