لا أتفق مع أولئك الذين يتخوفون من تقرير المصير لجنوب السودان ـ سودانيين وغير سودانيين ـ ويرون فيه خطرا جسيما.. لا لأنني أساند تقرير المصير كمبدأ فحسب، بل لأنني، على قناعة تامة بأن الخطر الحقيقي الكامن ليس انفصال الجنوب بالكامل انفصالا بائنا وقاطعا، وانما يتبلور الامر في نهاية المطاف الى حالة من الانفصال المستتر باسم الوحدة: ان يصير الجنوب كيانا مستقلا استقلالا تاما لا ينقصه الا اسم الدولة المستقلة، لكنه في الوقت نفسه يبقى عبئا سياسيا واقتصاديا وخطرا امنيا مستديما على الشمال باسم «الوحدة» وما يتبعها من «اقتسام» السلطة و«اقتسام الثروة». هذا بالضبط ما يسعى الى تحقيقه جون قرنق تحت مسميات مبهمة مثل «السودان الجديد»، لها لدى زعيم «الحركة الشعبية» مدلولات مخفاة عمدا تتناقض مع معناها الظاهري البراق. لكن الآن مع دخول العملية التفاوضية في ضاحية ماشاكوس قرب نيروبي بين وفدي «الحركة الشعبية» والحكومة السودانية مرحلة المناقشة الصريحة لقضايا محددة وملموسة، فإن لحظة الحقيقة قد دنت فيما يبدو ذلك ان قرنق اضحى مضطرا الآن الى وضع اوراقه المخفاة على الطاولة. فقد انطوت مرحلة الشعارات الدعائية ذات المعاني الازدواجية. والآن، ومع دخول الجولة التفاوضية الثانية الصعبة اسبوعها الثاني اخذ قرنق يطرح أوراقه الخفية حتى على الصعيد الاعلامي. ورغم انه توخى اعلاميا ان تكون صراحته نسبية مع حرص على استخدام اسلوب المواربة الذكية الا ان تلك المقابلة المطولة التي استضافته فيها احدى الفضائيات الخليجية الاسبوع الماضي كشفت الكثير من الاجندة المخفاة التي تعكس تصوره لمستقبل العلاقة بين جنوب السودان وشماله وطبيعتها. ومما لا شك فيه ان الخطوط العريضة التي افصح عنها هي المرتكزات التي تنطلق منها استراتيجية وفده في الجولة التفاوضية الثانية الجارية حاليا. فماذا قال قرنق في المقابلة التلفزيونية: لقد لاحظت باديء ذي بدء كاعلامي محترف ان ما ظل ينادي به زعيم «الحركة الشعبية» لسنين طويلة بشأن «اقتسام السلطة» ليس سوى مدخل شكلي الى شيء آخر. ففي المقابلة التلفزيونية كان قرنق يتحدث ـ مرارا وتكرارا ـ عن شيء اسمه «اعادة هيكلة السلطة». ورغم انه توخى اعلى درجات الحذر لكيلا يدخل في شرح وتفصيل الا انني على ثقة بأن كل من ظل يتابع المسار السياسي للحركة منذ نشأتها عام 1983 ـ وأنا احد هؤلاء استعاد الى الذهن فورا المعنى الحقيقي لهذا المصطلح الخادع. «اعادة هيكلة السلطة» تعني لدى حركة قرنق مفهوما عنصريا. ووفقا لهذا المفهوم فإن المنحدرين من اصول عربية بين شعب السودان لا يمثلون الا اقلية عرقية. وتأسيسا على ذلك فإنه يتوجب «تصحيح» تركيبة السلطة لكي تعكس هذه «الحقيقة»! وبالتالي يكون نصيب اللاعرب في التركيبة «المصححة» هو نصيب الأسد! ومن الواضح ان المعيار الذي اعتمده قرنق لبناء هذه «النظرية» هو العنصر العرقي.. وليس العنصر الثقافي. فالاغلبية الساحقة بين الشعب السوداني تنتمي الى الثقافة العربية الاسلامية بغض النظر عن اللون او الدم. وربما كان مرد حرص قرنق على عدم الخوض في تفاصيل «اعادة هيكلة السلطة» هو استحضاره لحقيقة انه يتحدث من منبر اعلامي عربي موجه الى ملايين المشاهدين من العرب. لكن لعله لم يفطن الى ان حديثه عن التقسيم الجغرافي للسودان فضح شيئا من طويته. فالسودان عند قرنق ليس شمالا وجنوبا فقط. هذا في رؤيته مجرد تقسيم «دستوري». أما التقسيم «السياسي» فهو ثلاثي: شمال وجنوب ووسط. والمعنى الضمني هو ان اهل الجنوب مع اهل الوسط ـ النوبة والانقسنا خاصة ـ يشكلون الاغلبية في وجه «الاقلية» العربية المحصورة في الولايات الشمالية! واجمالا كان جون قرنق يتحدث في المقابلة وكأنه رئيس دولة مستقلة ينبغي ان تمارس استقلالها حتى على صعيد التعامل الخارجي مع الدول. فالقوة الضاربة للحركة «الجيش الشعبي لتحرير السودان» سوف تبقى للسيطرة على الجنوب كله.. والقوات المسلحة الحكومية يجب ان تحزم حقائبها.. والمعونات الخارجية يجب ان ترسل الى حكومة الجنوب رأسا، لا ان تمر عبر الحكومة المركزية في الخرطوم. ومع ذلك وبالاضافة اليه تشارك الحركة في حكم الشمال بنصيب الاسد، باسم «اعادة هيكلة السلطة» وتقتسم مع الشمال ثرواته مع انفرادها بثروات الجنوب. وقبل هذا كله وبعده، يتحمل دافع الضرائب في الشمال عبء تمويل الجنوب باسم «اعادة التعمير» والصرف على حكومته!