كان المستقبل أحد التحديات التي شغلت الإنسان من بدء التاريخ ، ومع ازدياد قدرة الجنس البشري على التنبؤ باحتمالات المستقبل، عبر دروس الماضي ، أصبحت الدراسات المستقبلية تستحوذ على اهتمام كبير رغم أنها تظل علما وليدا يختلط فيه التنبؤ العلمي و«الكهانة» ذات الديباجات العلمية! وقد شهدت السنوات القليلة الماضية أكثر من معركة بسبب تقارير يحاول أصحابها التنبؤ بمستقبل العالم العربي ، ولعل من أهم أمثلته التقرير الأميركي عن المستقبل حتى 2015 الذي اخذ عليه كثيرون أنه متشائم أكثر مما ينبغي. ومن نافل القول أن مثل هذه التقارير لا تصدر لمجرد الاستمتاع بترف الاستشراف أو إبداء الرأي ، بل تستهدف التأثير المباشر على نحو محدد في عقل قارئها وحالته النفسية على السواء ، وتلعب اللغة العلمية التي تبدو محايدة دورا مهما إذ تضرب ستارا من التعتيم على الهدف الحقيقي. وبعد قليل من صدمة «تقرير التنمية الإنسانية العربي» بأرقامه المحزنة واستنتاجاته المخيفة ، ويبدو أن كل مكاشفة بحقائق الواقع العربي تنطوي على الخوف والحزن معا، فالمشاركون فيه حاولوا وضع الأمور في نصابها ، بعيدا عن التزيد في تحميل الصراع العربي الصهيوني مسئولية حالة العالم العربي ، صدمنا تقرير آخر. فقد أعلن في الكيان الصهيوني عن تقرير مهم تلقاه آرييل شارون من الجنرال عوزي دايان مستشار مجلس الأمن القومي في رئاسة وزراء الكيان الصهيوني قبل أن يغادر منصبه بقليل. التقرير يستقرئ الأوضاع التي أدت إلى ضعف العالم العربي بصورة شديدة منذ أواخر التسعينيات ويتوقع استمرار حالة الضعف إلى عام 2007 ويعتبرها فرصة حقيقية للكيان الصهيوني في التعامل مع محيطه العربي المعادي، ومربط الفرس في هذا التقرير ، الذي يتضمن إحصاءات مهمة عن الاقتصاد العربي وأزمته ، على مستوى التفسير أشار إلى حقيقة شديدة الأهمية هي أن مبعث هذا الوضع ، لا يعود فقط إلى قوة الكيان الصهيوني العسكرية بل يعود أيضا إلى عمليات الضعف والتفكك التي تفشت في العالم العربي، وأهمية هذا التفسير أنه يتصل بموقف معلن للكيان الصهيوني من تقرير التنمية الإنسانية عندما أعلن للمرة الأولى ، إذ أعلن أنه سيحتج لدى الأمم المتحدة على ما ورد في التقرير من تحميله المسئولية - جزئيا - عن الفشل التنموي العربي. ويضع التقرير يده على مشكلة أخرى من أهم مشكلات عرب النصف الثاني من القرن العشرين هي اعتقادنا أن الأموال تكفي وحدها لتحقيق هدف «شراء التقدم»، وهو مرض عربي تتفاوت حدته من قطر لآخر، فمنطق الهدر ساد العالم العربي حتى داهمت الأزمة الاقتصادية الأغنياء والفقراء على السواء، وفي سياق مناخ التشاؤم الذي يخيم على المنطقة العربية تذكرنا حرب التقارير الدائرة الآن بما نشر بعد نكسة يونيو في الصحافة الصهيونية من أن المخططات العسكرية الصهيونية كانت تتعامل مع مصر باعتبار أن عدد سكانها خمسة ملايين نسمة وحسب هم المتعلمون! وقد لخص موشيه دايان العامل الذي سيكون له الدور الأكبر في حسم الصراع حينما قال «يوم أجد المصريين يقفون في طابور لركوب المواصلات العامة سأشعر بالقلق على المستقبل»، وما قاله عن مصر يرجع إلى كونها أكبر دول المواجهة وأقواها، فمتى نبدأ مسيرة إعادة هيكلة المجتمعات العربية لدخول العصر وهي مسيرة طويلة ، ولماذا يكتفي المسئولون العرب بشجب مثل هذه التقارير المتشائمة ؟ ولماذا لا يردون ردا عمليا يشعر به كل مواطن عربي في حياته اليومية ؟ ـ كاتب مصري