يعاودني سؤال منذ فترة من زمن، يلازم روحي ويغيب عنها قليلاً ثم لا يلبث أن يبزغ في فضائها ويشكل ظل ذلك الفضاء، ويجدده قانون الحياة حين يطبِق بكل قوته على الأحياء؛ ولا أظنه سؤالاً جديداً لم يراود أحداً من قبل، بل أكاد أزعم أنه ربما غزا كل نفس في لحظة صحو أو يأس!! إنه سؤال الموت.. سؤال الحياة، أو سؤال الموت في جسد الحياة؛ وهو سؤال أصوغه وأُلقيه بالطريقة القاسية المتحدية، وربما المعزّية، ذاتها التي يقدم هو نفسه بها إلى من يسأل أو يستنكر أو يستكبر، غير آبه بالأحاسيس والمشاعر والمقامات والمناصب؛ وهي صياغة تبدأ من النهايات أو النتائج، تقول بلساني ما قد يصح أن يقال على لسان أحد غيري: « من من الأحياء رأى حياً خالد الجسد في تلازمه مع روح إلى الأبد؟! ومن منكم يزعم أنه قد يكون ذلك الحي، أو أنه قادر على تخليص حيّ مهما عزّ وسما من براثن الموت؟! ومن ذا الذي لم يزره ذلك الجبار في عتمة ليل أو صحوة نهار، ليختطف عزيزاً عليه ويتركه كتلة من حسرة منقوعة بالدمع والحزن؟! ومن يدعي أنه قادرٌ على الهرب من حكم الله، ومن يستطيع يا ترى أن يأبق من محيط ملكه ليتخلص من نافذ أمره؟! الذي لديه شيء من ذلك أرغب رغبة صادقة في التعرف إليه، وأتطلع بشوق إلى أن أرى وجهه لكي يخبرني خبره، فإنني إليه ناظر ولروايته منتظر ومستمع؟! لا أظن أن أحداً من بني البشر يملك وهماً أو يحكمه وهمٌ يبلغ به درجة الظن بأنه يملك خبرة في هذا المجال، أو أن هناك من يتطلع إلى أن يصبح كذلك. فالموت محيط بالمحيط الذي يشكل البحر واليابسة، ويشمل الأشياء والأحياء، لأنه القانون الأقدم في الكون، وُجِدَ مذ وجدت الحياة، وهو ينازعها بقوة وقسوة في داخل النفس ويقيم جدلية معها في السيرورة والصيرورة..فيبقى وتبقى ويستمر الصراع؛ تحت وطأة كابوس الموت، الذي يدق بخطواته الدرب وراءنا في كل دقيقة من دقائق العمر ساخراً من حذرنا واحتياطنا ونزقنا ونزواتنا، يبقى وتبقى ربما ليظل لنا في العيش أمل وتمرّد وشغف بالحياة ينسينا مرارتها وعبثيتها، ويوقد في نفوسنا شعلة الشوق والتوق، ويسمح بتوازن النار والدم في كائن يجسد حضورُه وبناؤه العضوي تخلّق الموت من الحياة والحياة من الموت، كما يتخلق في روح ذاك الكائن اليأس من الأمل والأمل من اليأس. فسبحان الذي يخرج الحي من الميت والميت من الحي ويكتب المقادير ويبرمها، وسبحان الذي خلقنا وجعل موتاً وحياة، وتطلعاً وتوقاً، وسلوة وصحوة، لكي نتجرع كأس الحياة حتى الثمالة، وفيه ما فيه من مرارة الوجد والفَقْد والعيش الضحل والظلم والإحباط، ومن حلاوة التجدد واللقاء على الحب والنشوة في انتصار يحققه الأمل والعمل على البؤس واليأس. جميلة هي الحياة، وجميل بقاؤنا المتجدد في انتصار لها على الموت، ولكنّ في سجال الموت والحياة حكمة، وفي وجود الموت وفعله أيضاً حكمة لقادر يدبر أمر الموت والحياة والأحياء والأشياء في الكون. وإذا ما أخذتنا العزة وزينت لنا أنفسنا أن نستطلع أمر الحياة في حال غياب مطلق للموت، فما الذي نتصوره من بعد لوضع الحياة وللكائنات فيها؟! وللإنسان من بين تلك الكائنات على الخصوص؟! تخيلوا انتشار الأحياء في الأرض منذ بداية الخلق حتى يوم الناس هذا وانتفاء الموت وما سيولده ذلك ويتركه من معطيات لدى الأحياء وفي الحياة ؟! تصوروا خلقاً لا يتخطفهم موت أو خوف من موت ولا يردعهم قانون أو حساب أو توعد بعذاب بعد نشور من القبور، وارسموا في ظل ذلك صورة للحياة والأحياء وأنواع السلوك والتعامل وأساليب الأداء؛ وتصوروا في ضوء ذلك كله حكمة القدرة الإلهية التي أوجدت الموت وأسراره وأوجدت بعثاً وحساباً من بعده!!. إننا في حوض واحد محكومون بشرط بشري وبمصير بشري يحققان عدلاً في نهاية شوط هذه الدنيا، قد لا يتحقق فيها، ويحققان مساواة بين الناس أمام الموت قد لا تكون ممكنة في الحياة أبداً بشكل مطلق؟!. إننا نُعِدّ أنفسنا في هذه الدنيا لصلاح أمر نرجوه في الآخرة: «فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره» و «كل نفسٍ بما كسبت رهينة». يبقى للأحياء من الأموات الذين يعبرون مفازات طريق الحياة، يبقى لهم: عبرة وقدوة وذكر وعظة وسيرة، ويبقى بينهم ما يتداولونه أو يتداولون حوله مما ترك الماضون إلى جوار ربهم. لقد فقدنا أعزة علينا وأصدقاء لنا وزملاء جمعتنا وإياهم قرابة الحرف منهم شيوخ الإبداع والتنظير في الفكر، ومنهم ناقد وباحث وشاعر، خدم الأجيال بصمت وإخلاص، وأثقلت كاهله الحياة بأعباء وهموم ومعاناة، ومنهم شيوخ المحققين والمصنفين البارزين والباحثين الجادين، كل منهم حجة في ميدانه، عارف مدقق محنك، أذاب نور عينيه مع الحبر ليقدم لنا ما يساعدنا على الفهم والمعرفة والتألق في مجال سلامة اللغة وسلامة الفهم والتقويم والتذوق. وحين تستعيد ذكرى وصورة وتنتصب أمامك قامة من يلوك ألمه بصمت وصبر حتى تظن أنه ألف الألم ومرارة الصبر، وسيرة من يملك شجاعة بدماثة ودماثة بشجاعة، تدرك أنه لن يتوقف سيرنا في هذه الطريق التي تستوعبنا جميعاً ونساق إليها جميعاً، كما تدرك كم يُلْحِق الأمواتُ بالأحياء من وجع يوغل في الأعصاب ويدوم، وكم يلحق الأحياء بالأحياء من وجع يسكن الروح ولا يكاد يفارقها مدى الحياة. وغياب أولئك وسواهم ترك فراغاً في ميادين عملوا فيها لا أظن أنه فراغ يملأ بيسر وسرعة، على الرغم من وجود عاملين ومجتهدين ومجاهدين؛ فأمثال هؤلاء الرجال ينحتون حضورهم بالعمل في أخاديد الزمن وتبقى الطريق التي يسلكها تابعوهم صعبة على من لا يعطي للعلم والحرف عمره وجهده وضوء عينيه وشوقه وتألق روحه؛ وأولئك قليل. غاب الباحث والمفكر والمبدع منهم بعد أن قضى أياماً جلّها في عمل مجهد بل مرهق، ولم يحجب غيابُهم عنا عطاءهم الباقي فينا وبين أيدينا مما تركوا لنا نتيجة جهد وجهاد، وما تركوه ينير درب الكثيرين ولا يستهان بالإضافات التي أضافوها ومن له أثر يضاف إلى تجربة بنيت على نقد لمسار صاحبها وتصحيح مبارك لذلك المسار، وحسن السيرة ودماثة الخلق، وتواضع العالم، ودأب النمل ونظامُها في العمل، لا ينسى ذكره الأحياء، رغم مواقف الجاحدين من الأحياء ومواقفهم ومحاولاتهم المستمرة لتشويه صورة الأداء الناصع لمقتدرين على الأداء باقتدار وإبداع، ولا يشكل غياب جسد الغائب منهم بالموت غياباً لحضوره في الحياة ولحاجة الأحياء المتجددة لما ترك لهم. وحين نفقد هذا النوع من الرجال نحزن ونأسف، ويحق لنا أن نحزن ونأسف، ولكن عزاء كبيراً يبقى لنا فيما تركوه، وفيما يجدد حضورَهم بين ظهرانينا قدوة لمن يقدّر معنى القدوة الصالحة والعمل الصالح، ولمن يرتفع بالاعتراف بفضل الآخرين. ولا نذكر من يرى ألا ذكر أو ارتفاع له إلا بتشويه صورة الآخرين أو تغييبهم والتعتيم على أدائهم ، فصاحب ذلك النوع من الرأي والأداء يعلن في كل دقيقة وفي كل فعل عن قصوره بدلائل فعله الذي يترجَم في عبارة واحدة : « أخلوا لي الساحة لأبرز، أو لكي أُرى» ، إنه يعرف جيداً بأنه أدنى وأضعف من أن يبرز أو يُرى مع وجود آخرين في ساحة الفعل والرؤية ومع وجود معايير سليمة للقيم والأفعال والإنتاج والإبداع. كثيرة هي الأسماء التي تُقرع لها طبول الدعاية وتتشمرخ بالادعاء في فضاء بلادنا في هذا العصر بالذات، ويتعالى صوت النفير لها منذ الولادة إلى ما بعد الموت، ولكنك إذا ما عدت لها عودة الراغب في المعرفة والاستفادة والاقتداء.. ينفتح لك قبر يزوبع الرعب في روحك، ويزيدك إفلاساً على إفلاس إن كنت ممن يرغبون في الاستزادة من علم ومعرفة وخُلُق وقيم والتخلص من ضروب الجهل والإفلاس والفساد!! ولا يعفيك هربُك من أولئك: من جهلهم المتعالم، ومن طنين دبابير أذنابهم ومريديهم؛ لا يعفيك من ملاحقة الضجيج لك حتى في نومك وربما في موتك، فهذا النوع من الادعاء الشرس لا يصون بقاءه إلا بالمزيد من الادعاء الفارغ والعدوان على الحقيقة والقيم، والحياة تسمح بالكثير الكثير من هذا الطنين وتمد لهم مدا!! ولكن مثل هؤلاء يشكلون عارض المعرفة قياساً إلى الباقي والراسخ منها، كما يشكل عرَض الدنيا بالنسبة لزاهد فيها محب لخير الزاد وخير العمل وخير الذكر وباقية، عامل غير عابئ بما يزيّف المزيفون؛ وبما يشوّه أهل احتراف الافتراء والتشويه والتزييف؛ وتراه هادئاً واثقاً.. مردداً في دفء روحه وسكينتها قوله سبحانه: «.. وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما»، قانعاً من ضجيج المتعلقين بحرية الفوضى أو المتعمشقين على شجرة الحرية، بالعزوف عن زهوة الرغوة في رأد الضحى، ليتعلق بجوهر الحياة الحق الذي يشع في جوف الظلمة: العمل بشرف والحرية بسمو ومسئولية، تلك الحرية التي عرّفها صوفي بقوله: «الحرية أن تكون لله عبداً ولمن سواه نداً». لقد فقدت أصدقاء وزملاء بقي لهم في نفسي ذكرٌ طيب كما بقي لبعضهم حقٌ علي لم أوفه. وبعد فإنني أقول في الأرفع مكانة وسمو نفس وقدر وقدرة، وفي الذي يعطي دونما انتظار «لإنصاف» وتكريم ممن يمتهنون الإزراء بكل إنصاف، أقول فيهم ما قال الرضي أبو الحسن: «وسَمَتْك حاليةُ الربيع المُرْهِم وسَقتْك ساقيةُ الغَمَام المُرْزِمِ سبعٌ وتسعون اهتَبَلْن لك العدا حتى مضوا وغَبَرْت غير مذمّم لم يلحقوا فيها بشأوك بَعْدَما أَمِلوا فعاقهمُ اعتراضُ الأزْلمِ إلا بقايا من غبارك أصبحت غُصَصَاً وأقذاءً لعينٍ أو فمِ إن يتبعوا عَقِبَيْكَ في طلب العلا فالذئب يَعْسِل في طريق الضيْغَمِ» ـ رئيس اتحاد الكتاب والأدباء العرب