يرى القس الأميركي البارز جيسي جاكسون ان الولايات المتحدة الاميركية، وان كانت دولة لا تحافظ على حقوق الآخرين، إلا أنها تسمح لمن يدافعون عن تلك الحقوق ان يتحدثوا على ارضها، ويعبروا عن مواقفهم الخاصة. والقس الاميركي البارز له مواقف واضحة من تحيز بلاده لصالح اسرائيل ضد الحقوق الفلسطينية التي تبدو خارج الحسبة الاميركية، وابعد ما تكون عن حس صانع القرار الاميركي الذي لا يرى بأساً في تأييد اسرائيل والسير معها في الاتجاه الذي تريد وتختار. وقد رأينا جيسي جاكسون في الفترة الماضية وهو يزور الاراضي الفلسطينية ويتحاور مع كافة الاطراف المتصارعة مناشداً الجميع ـ حسب رأيه ـ ان يمارسوا سياسة ضبط النفس وان يتوقفوا عن اللجوء الى العنف. والرجل يمثل احد الاصوات التي ابدت انزعاجها الشديد من تحيز السياسة الخارجية الاميركية ضد حقوق الشعب الفلسطيني، كما انه يمثل في الداخل صوت المستضعفين من الاميركيين السود الذين لم يتمكنوا الى اللحظة الراهنة من استرداد حقوقهم التي تقرها دساتير العالم، ويأباها المنطق الشائن الذي عليه الساسة البيض المناهضون عمليا لفكرة المساواة الكاملة بين المواطنين البيض ونظرائهم من السود!! ومع هذا الموقف المعتدل الذي يقفه القس جاكسون من القضايا المختلفة الا انه اثناء عرضه لموقف بلاده الذي يسمح لمن يدافعون عن الحقوق المدنية بأن يقولوا ما لديهم، لم يوضح صعوبة اختراق ذلك الحصار الشديد الذي تضربه الحكومة على حركة المدافعين عن حقوق الانسان مما يجعل من تلك الاصوات تبدو غير قادرة على ان يوازي دورها ذلك الدور الرسمي الآخذ في الانتشار والهيمنة والتوسع. وابرز دليل على ان سياسة الباب المفتوح التي تنتهجها الحكومة في الداخل مع المخالفين لها في الرأي لا تعدو ان تكون عملا تنفيسيا لا يرقى اثره الى مستوى الفعل النوعي القادر على تغيير الموقف الرسمي للدولة، تلك الهيمنة الكبرى على وسائل الاعلام المحلية التي اصبحت تمارس دور الشريك المخلص الذي لا يوفر اي جهد لديه في دعم شريكه وصيانة مكانته، والدفاع عنه تحت اي ظرف وسبب. بل ان اكثر الصحف الاميركية انتشارا، واوسعها نفوذا وتأثيراً اصبحت هي اول من يقرع طبول الحرب، واول من يهييء الساحة الداخلية لتصور وقبول الموقف الرسمي لادارة بوش. وهو ما ابعد تلك الوسائل الاعلامية عن القيام بأي دور نزيه أو محايد ازاء العدوان الصارخ للسياسة الخارجية. وفي مثل هذه الادوار المركبة البعيدة عن الانصاف يصبح من الصعب التعويل على موقف المعارضين لهذه الغطرسة التي يجيد اداءها باحتراف كبير النخب السياسية الحاكمة بمؤازرة مكشوفة، ومباركة مشهودة من النخب الاعلامية، بل والنخب الفكرية التي لا تمانع ان تقوم بدور تحريضي ضد الدول الشرق اوسطية الآخذ عددها في الزيادة يوماً بعد يوم، كي تقوم الادارة الاميركية بردها الى بيت الطاعة الذي اصبح بدوره يحمل من مطالب الارتماء على اعتابه ما لم يكن وارداً في ذهن احد من قبل!! انه منطق العداء الكامل الذي يرى رؤوساً قد اينعت وحان قطافها. فهل يعي العرب حجم العداوة الحقيقية المحيطة بهم؟ وهل يتعاملون مع ذلك التحدي وفق خطة واضحة لا تضع في اعتبارها التضحية بالمزيد من المواقف الرسمية بل تحسم امرها في اتجاه فهم طبيعة الصراع والاعداد الجيد له. ام انهم سيدسون رؤوسهم في الرمال، لتدور عليهم الدائرة، ويدفعوا ثمناً يفوق الخيال!!