بداية اسمحوا لنا بمقدمة تمهيدية، هي في كل الاحوال من اجتهادنا، وهي ان ثمة فرقاً كبيراً بين «الحق» و «الحقيقة»، فالجذر اللغوي لهاتين المفردتين لا يعني تشابها او تماثلاً في الجوهر. لان «الحقيقة» في واقع الامر هي مجرد رصد أمين لكل مايقع تحت مجهر الحواس، واكتشاف القوانين التي تحكم العلاقات الانسانية، وتتحكم بكافة عوالمها، في حين ان «الحق» وظيفته كشف مدى مشروعية هذا الواقع المرصود، ومدى احقيته وعدالته في هذا التواجد او ذاك. ولكي نقترب اكثر من هذا الفرق، نفترض انك وجدت شخصا يمتلك شقة، ورأيت المرضى يدخلون ويخرجون من هذه الشقة فان «الحقيقة» تحتم عليك الاقرار بأن هذا الرجل يعمل طبيباً، لكن «الحق» يحتاج لصيغة اخرى تماماً وهي مدى استحقاق الطبيب لهذه الصفة، وهو امر مرهون بقدرته على شفاء مرضاه والتخفيف من آلامهم، لنأخذ مثالاً آخر وهذه المرة من عالم السياسة، فالحقيقة تقول ان اميركا منحازة للكيان الصهيوني، لكن الحق حين يتدخل فانه يتساءل عن عدالة هذا الانحياز ونتائجه الحقيقية. وبما ان اظهار كل من الحق والحقيقة يحتاج الى انسان يتفوه به ويعلن عنه، فان اهمية التفريق بين الكلمتين تكمن في ان كثيرين يعتبرون في معظم الاحيان ان قائل الحقيقة هو قائل الحق، خاصة لو كان الاول من ذوي المناصب الرفيعة والسلطان والنفوذ .. وهنا مربط فرس كلمتنا. فثقافة «بيت الطاعة» على حد تعبير الدكتور فؤاد زكريا التي تسود معظم مجتمعاتنا الشرقية، بدءا من البيت وانتهاءً بمن يرأسوننا على كافة المستويات، جعلتنا نعتقد ان كل ما يجري على لسان اولياء امورنا، اسرياً، ووظيفياً، وسياسياً، هو الحق بعينه، فرأيهم هو العدل بعينه، ورؤيتهم هي الاصوب، ونظرتهم هي الاكثر سدادا وبصيرة. لكن المشكلة لا تتعلق بهؤلاء اصحاب النفوذ والمكانة العالية، قدر ارتباطها بالمتسائلين عن الحق، الذي اقتصر في مجتمعاتنا على عالم الكبار، دون ان يدركوا ان الحق ليس له تشريفة، او ممثل رسمي للنطق به، حتى ننجر وراءه ونصدقه، فجميعنا يعلم حكاية الطفل الذي صرخ «الملك عارياً» بينما باقي الناس كانوا يهللون للملك الذي اقنعه الخياطون انهم حاكوا له ملبساً لايراه أحد، فصدق الملك، وصدقت الرعية. ان الطبيعة التبجيلية والاجلالية التي تكتنف ثقافة الشرقي وعشقه الكثير لحمل المباخر ودق الطبول، لحصد بعض المصالح والفوائد التافهة، دفعت بتحويل اراء الكبار الى صنم نرتل حكمته لنحيلها الى مأثورات. ويعلم الله كم ان كثيراً من اصحاب النفوذ والسلطان يفهمون جيداً مرامي هؤلاء الراقصين على كل الحبال، ومع ذلك فان هؤلاء اصحاب الابواق لايكفون عن خبزهم اليومي من النفاق والرياء، واختزالهم للحق وحصره فيمن يعلونهم مكانة وقوة. ما قادنا الى هذا الكلام هي تلك العبارة التي قال عنها عميد الادب العربي طه حسين: «لو امد الله في عمري لألفت كتاباً عن هذه الجملة» وذلك حين قال الامام علي بن ابي طالب رضي الله عنه: «عجبت لاناس ينظرون الى الحق بأقدار الرجال».