حمد بوشهاب.. يا وجها يتصدر صفحتنا الأولى.. من ينعي هذا الخبر المشئوم؟! وهل غادر صاحبه حقا دنيانا؟! من قال بأن الشعر يموت.. وأن النهر يغير مجراه.. وأن الشمس تبدل مطلعها.. وأن البلبل ينسى اغنيته.. وأن القلب المفعم بالحب يكف عن الخفقان؟ يا وجهاً يحتل شرايين القلب.. هل صحيح انك قد غادرت عالمنا الفاني الى عالم الخلود الباقي.. حاملا معك كل هذا الحب الذي اغدقته قلوب محبيك عليك.. تاركا لهم ألم الفراق ولوعته والذكرى العطرة التي لا تغيب ولا يلفها النسيان أبداً؟ «يبدو أنني لن أراك قبل سفري» هكذا صغت عبارتك صبيحة ذلك الاحد الذي هاتفتك فيه معتذرا عن موعد قد قطعته معك لرؤيتك.. وكنت ساعتها تعد العدة للسفر في رحلتك السنوية ـ التي ما تعودت ان تغدر بك وبنا ـ للاطمئنان على القلب الذي حمل عذابات سنين العمر وأفراحها دون ان يدب اليه الوهن او يفقد الامل والرغبة في الحياة. لم أدرك حينها انك تعني ذلك السفر الذي لا أوبة منه، فاعتذرت اليك متعللا بمشاغل الحياة وأخذت انت طريقك الى حيث كان ينتظرك قدرك ليغيبك الموت. ما أكثر اولئك الذين يأتون كل يوم الى الحياة ثم يمضون ـ لم يخلفوا أثرا ـ دون ان يحس بقدومهم ومغادرتهم احد. وقليل هم اولئك الذين تظل آثار اقدامهم مطبوعة على دروب الحياة لا تقوى الايام على محوها.. ومن الصنف الاخير هذا كنت انت ايها الراحل الذي حرمنا القدر فرصة وداعه. جئت في الزمن الصعب، ورحلت في الزمن الاصعب، حاملا معك بهجة اللقاء الذي لم يعد ممكنا.. قابضا جمر زمن سوف يتأبى علينا فيه الفرح وأنت غائب عنه. أيهذا الشاعر المرهف الحس.. كيف للحس ان يتحرك في غيابك وقد كنت طاغي الحضور متوهج الشعور؟ أيهذا العاشق للجمال.. من للجمال بعدك يتعب راحلته في البحث عن أعذب الالفاظ والصور له؟ أيهذا التائق الى الكمال.. كيف للكمال ان يصل الى غايته وأنت موغل في الغياب؟ أيهذا العزيز الذي مر كالنسمة.. من لساعات الصباح وقد غدت ثقيلة في غيابك؟ من لهذه الدقائق تمضي دون رنين هاتفك معلنا قدومك؟ من لهذه الابواب تفتح فلا تهل من ورائها محييا كعادتك؟ من لفناجين القهوة وقد أصبح طعمها علقما بعدك؟ من لساحات النقاش ـ وقد كنت فارسها ـ تسأل عنك؟ من لـ «ثغور القوافي حينما تتبسم»؟ من لـ «بلقيس» إذا «تطلعت من عليائها»؟ من لـ «هذه الفصحى التي نشدو بها»؟ من لتلك الـ «بدائع لم تلهج بمثلها اللها»؟ من لـ «عصماء تعبث بالعقول وتسحر»؟ من لـ «الخيال» اذا «غفا على جفن المنى وصحا»؟ من لذاك «القريض العكاظي» الذي «تأخر عصره»؟ من للقوافي في غياب عاشقها؟ من لكل هذه الروائع يشنف بها آذاننا بعد ان لفّك الصمت ومضيت في دروب الفراغ تاركا لنا حيرتنا ودوائر الحزن ولوعة الفراق؟ جئت في زمن كان احتفاؤه بك كبيرا.. وذهبت في زمن لم يعد للكبار فيه محل.. فلله درك من حكيم في المجيء وفي الرحيل. أيهذا الراحل المخلف في قلوبنا كل هذه الغصّة.. أعرف جيدا ضياع صرختي في متاهات الصمت التي رحلت اليها.. ولكنك انت الذي علمتنا ان نقول كلمتنا ونمضي غير آبهين بغير اولى النهى.. اولئك الذين وعت عقولهم وصفت قلوبهم. أيهذا الشاعر الذي طالما حلق في عالم الجمال مبحرا في سفينة الخيال.. كم من الموانيء استقبلتك بالترحاب.. وكم من الرياح عصفت بأشرعتك.. وكم من الصخور أعاقت ابحار سفينتك؟ ها أنت اليوم قد طويت تلك الاشرعة ورفعت مجاديفك وتركت لهم كل البحور والموانيء.. فهل تراك ارحتهم؟ ايها العاشق للحرف، المتيم بالكلمة، المسكون بعلامات الاعراب والترقيم.. ها هو «الكلام» يتمنع عليك للمرة الاولى.. وها هي الارض «تضمك» للمرة الاخيرة.. وها هي شلالات الحزن «تفتح» علينا.. وها هو الرحيل «يكسر» قلوبنا.. وها هو «السكون» يخيم على الامكنة.. وها نحن نغدو فعلا مبنيا للمجهول غاب فاعله بعد ان استقر في «ضمائرنا».. وها هي «الفواصل» تملأ سطورنا.. وها هي «علامات الاستفهام والتعجب» وآلاف «النقاط» تستقر في آخر السطر معلنة نهاية الرواية التي غاب بطلها. ايها المتوج على مملكة الشعر عاشقا.. من لتلك البحور بعدك؟ وماذا نقول للوافر والبسيط والكامل والطويل ان تداعت لشعرك؟ وأي عذر نسوقه للخليل ان توقف قطرك؟ أيها المسافر بعيدا الى المرفأ الاخير تاركا لنا على ارصفة الانتظار الموحشة كل هذا الحزن واجترار الذكريات وفراغا لن يسده في غيابك غيرك.. هل كان ضروريا هذا الرحيل كي تعرف عندنا قدرك؟! ايها الشاعر المضمخ بعبق التاريخ، المتيم به، المولع باستحضار مشاهده.. هل تراك يئست من استيعابنا لتلك الدروس التي كنت تسمعنا اياها فقررت ان تكون انت الدرس الاخير وارتحلت اليه؟ ايها المسافر في شراعك الابيض الى صمتك الثاني.. هل تراك أردت ان تذكرنا بأننا نعيش بين صمتين «صمت ما قبل الولادة وصمت ما بعد الموت» وأن «الحياة هي مجرد صخب بين صمتين لا قرار لهما»؟ ولماذا تركت لنا الصمت ونحن أحوج ما نكون الى صخبك؟ ايها الراحل عن صخبنا المقيم في صمتنا.. ها هي شهادتي التي طالما قلت لك انها فيك مجروحة، لم تعد تنعم بالجرح وحدها.. فقد جرح رحيلك القلب وغدوت رهين الجرحين.. جرح الشهادة الذي أفاخر به وجرح القلب الذي أعاني منه. أيها الراحل الانسان.. خسارة الشعر والأدب بفقدك فادحة.. وخسارتنا نحن محبيك هي الافدح. كان حضورك طقسا لم تتأخر يوما عنه إلا لظرف قاهر.. فهل هناك ما هو اشد قهرا من الموت الذي غيبك؟ حمد بو شهاب.. يا وجها يحتل جميع الصفحات.. صفحات القلب الموجوع، وزوايا الذاكرة المكلومة، ومداد القلم العاجز عن بث الشكوى. فلتهنأ نفسك راضية مرضية.. وعليك سلام الله ورحمته