التمييز العنصري قضية مبكرة شديدة التعقيد. انها نتاج مزيج أو خليط تدخل في مكوناته أبعاد تاريخية واجتماعية وثقافية.. بعضها ينهل من أساطير وادعاءات تنسب الى البيولوجيا والأعراق والأديان. وما التفرقة التي تقوم على هذا المركب في السياسة والاقتصاد والقانون والتعليم ونظم الادارة والتعامل الانساني، سوى بعض تجليات هذا المزيج ومظاهره الخارجية. وبالطبع، هناك عملية تفاعل مستمرة بين القضية أو الظاهرة وتجلياتها أو تعبيراتها المنظورة. ان شعور جماعة انسانية ما باستعلائها وتميزها ازاء جماعة أخرى، ولتكن المستوطنين مقابل سكان البلاد الأصليين في مجتمع استيطاني ما، لا يكتمل ولا تظهر آثاره في الواقع الا عند ادراج هذا الشعور في الحقوق القانونية وفي السيطرة على الحكم والثروات الاقتصادية. غير أن هذه السيطرة ذاتها تمنح الجماعة الأولى، أي المستوطنين هنا، مزيداً من مرجعيات الشعور بالاستعلاء والتميز. هذا يعني أن للتمييز العنصري نظامه المتكامل. وهذا النظام قادر على اعادة انتاج ذاته وتوكيدها، ما لم يتم استئصال جذوره ومكوناته الأولية، وأهمها الثقافة المنتجة لمشاعر الاستعلاء من ناحية، وهدم تجلياته القانونية والسياسية والاقتصادية.. ألخ من ناحية أخرى. من أبرز نماذج صدقية هذا التحليل ما جرى ويجري في زيمبابوي (روديسيا سابقا) فقد أزيح التمييز العنصري على مستوى تجلياته القانونية والسياسية، بحيث أضحت المساواة بين البيض المستوطنين والسود أصحاب البلاد الأصليين مضمونة على هذا المستوى. لكن هذه المساواة لا تعني الكثير للسود طالما بقي واحد من أهم معالم أو تجليات عصر التمييز العنصري، ألا وهو عدم التكافؤ في توزيع الثروات، ومنها ملكية الأرض. ان هذا المعلم قادر على صيانة التمييز والحفاظ عليه بل وعلى اعادة انتاجه عمليا. فالسود الذين يمثلون 80 في المئة من حجم السكان لا يملكون أكثر من 20 في المئة من الأرض الزراعية. ولو كان عدم التساوي في هذه الملكية قد نشأ في الأصل عن عملية تاريخية طبيعية، لما حق لأحد الاعتراض عليه. لكنه كان تجليا ونتاجا لقضية التمييز العنصري واستقواء البيض المستوطنين على السكان الأصليين خلال القرنين السابقين على الالغاء القانوني لنظام الفصل العنصري. هذه هي الفلسفة التي تحض نظام روبرت موجابي على معالجة وضع الملكية الزراعية في بلاده والحق أنها تبدو فلسفة مقبولة في عمومها. حتى وان وردت تحفظات كثيرة على نمط الحكم الذي يتبعه هذا النظام. على أن موجابي بدا شديد التفهم لمكونات التمييز العنصري بصورة مدهشة، حين رفض لقاء وفد من الملاك البيض معللا موقفه بأن على هؤلاء المزارعين «الملاك» اتباع القنوات المحددة لمعالجة مشاكلهم، وذلك بالاجتماع مع نائب الرئيس جوزيف مسيكا المسئول عن تملك الأراضي. انهم غير مقتنعين بهذا المستوى من السلطة لأنهم يعتقدون أن كونهم بريطانيين وكونهم بيضا فانهم مقدسون بشكل أكبر من الآخرين.. توجد سلطة مخصصة للقضية فلماذا يتجنبونها. من هم بعد كل هذا؟ انهم اناس ليسوا فوق البشر. يريد موجابي القول بأن المستوطنين البيض مازالوا أسرى فكرتهم عن أنفسهم وعن الآخرين، أسرى ثقافة التمييز العنصري التي تجعلهم يستشعرون التفوق ازاء مجتمع السود. وبهذا وضع الرجل يده على واحد من المصادر الأساسية لعملية التدافع الحاصلة في بلاده. بين الغاء التمييز قانونيا وسياسيا واستمراره ثقافيا، التمييز هنا ما زال أهم محددات ثقافة البيض ونمط تفكيرهم. وللانصاف، فإن التحولات الفكرية الثقافية والاجتماعية لا تتحرك بوتيرة التحولات القانونية والسياسية. ولذا، سوف يمر وقت طويل، وستحدث مشادات ومشاحنات كثيرة، داخل المجتمع الزيمبابوي في مرحلة ما بعد الفصل العنصري، قبل أن يحدث التوازن بين هذه الأنماط من التحولات. لقد عرفنا هذا المخاض العسير في نماذج أخرى من نظم التمييز العنصري. فالعبودية والرق ألغيا قانونيا في الولايات المتحدة (رأس الديمقراطيات في العالم!) منذ نحو 140 عاما. ومع ذلك، من قال ان ثقافة التمييز والاستعلاء قد اقتلعت من جذورها، بين يدي مجتمع المستوطنين هناك؟ والمثير أن تجليات هذه الثقافة على الصعيد الاقتصادي بالذات، ما زالت عاكفة في الرحاب الأميركية، حتى أن ذوي الأصول الأفريقية، والمستعبدين سابقا والمستبعدين حاليا، نظموا مؤخرا تظاهرة، يطالبون فيها بالتعويضات المادية (أي الاقتصادية) عن زمن العبودية، وبانهاء ما تبقى من مظاهر التمييز العنصري ضدهم. لا نود الاستطراد الى أكثر نماذج ثقافة العنصرية وتجلياتها الحاحا واستعصاء على التفكيك في عالمنا المعاصر، النموذج الصهيوني.. غير أن المقام يقتضي، بحكم تداعي الأمثلة والأفكار، طرح السؤال عن الحقب الزمنية والجهود الجبارة التي يحتاجها هذا العالم قبل الشفاء من هذا النموذج؟! ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة