تستحق دمشق إشادة عربية خاصة لمبادرتها للتعبير عن دعمها لكل من السعودية ومصر في وجه الضغوط الاميركية المتعاظمة على هاتين الدولتين الشقيقتين، وقد تجسدت هذه المبادرة السورية الفريدة في جولة لوزير الخارجية فاروق الشرع شملت الرياض والقاهرة حيث سلم رسالة من الرئيس بشار الى كل من الامير عبدالله والرئيس مبارك. لكن هل يكفي هذا التحرك العربي المحدود لكبح التيار العدواني الاميركي المتصاعد ضد الامة العربية والاسلامية، خاصة ان واشنطن لم تعد تفرق عربياً او اسلامياً بين صديق وخصم؟ اكاد اراهن ان شعوب الامة العربية والاسلامية اذا استشعرت ارتياحاً واغتباطاً تجاه تلك البادرة السورية وما لقيت من تجاوب سعودي ومصري فإنها اصبحت تتطلع في ظل الخمود التقليدي للجامعة العربية الى تحرك عربي وراديكالي حازم وحاسم ضد التيار العدائي الاميركي الذي يزداد كل يوم سفورا.. حتى لو كان هذا التحرك خارج اطار الجامعة. واذا كان هذا التيار العدائي الاميركي يعبر عن تدشين مرحلة جديدة داخل الولايات المتحدة تنبيء بأن الحركة اليهودية الصهيونية قررت فيما يبدو استثمار احداث سبتمبر لتحشيد كل قواها وطاقاتها لاشعال معركة فاصلة ضد الامة العربية والاسلامية فإن المطلوب بطبيعة الحال هو تحشيد دفاعي مضاد على الجانب الآخر. وهنا نقول ان بادرة التضامن السورية مع السعودية ومصر يمكن ان تتطور لتكون نواة للتحشيد الدفاعي على الصعيد العربي الاسلامي. ان الحديث هنا ليس عن شن حرب أو الاستعداد لقتال، انما هو عن حملة دبلوماسية دفاعية تعكس عناصر القوة المعنوية الضخمة المتوافرة لهذه الدول الشقيقة الثلاث. وبصورة محددة فإن المطلوب هو انشاء محور سياسي ثلاثي بمبادرة من قادة هذه الدول الثلاث، على ان يكون مفتوحا لكل من يرغب في الانضمام اليه من الدول العربية والاسلامية الشقيقة الاخرى. ان مجرد اعلان قيام مثل هذا المحور سوف يصعق قادة الحملة اليهودية العدوانية داخل الولايات المتحدة.. فكيف اذا باشر نشاطاً عمليا. باكورة هذا النشاط العملي يمكن ان تتمثل في اجتماع قمة ثلاثية تصدر على الفور اعلانين حاسمين الى العالم، اعلان برفض اي غزو عسكري ضد العراق، وأي خطة لتغيير نظام الحكم فيه.. وآخر يتضمن مطالبة قوية الى مجلس الامن الدولي بأن اخلاء منطقة الشرق الاوسط من اسلحة الدمار الشامل يجب ان يشمل اسرائيل ايضا بتصفية مخزونها من الاسلحة النووية كخطوة اولى. انه لم يعد مقبولاً ان تحمي الولايات المتحدة ترسانة اسرائيلية ضخمة من اسلحة الدمار الشامل للابقاء على التفوق الاسرائيلي الابتزازي كسيف مسلط على الدول العربية والاسلامية وتضيق الخناق في الوقت نفسه على دولة عربية بدعوى انها «تسعى لامتلاك» مثل هذه الاسلحة الفتاكة. واذا كانت بعض الدول العربية تستشعر حرجا ما في المطالبة برفع نظام العقوبات عن العراق تحسبا لعدم اغضاب واشنطن لاعتبارات علاقات الصداقة، فإن هذه المعضلة لم تعد واردة بعد ان اتخذت السياسة الاميركية منحى جديداً يستهدف بالعداء المكشوف حتى الاصدقاء والحلفاء كاستجابة لتوجيهات الحركة الصهيونية. ومع تصاعد التيار العدائي الاميركي الكاسح فإنه تتوافر دلائل جديدة يوما بعد يوم بأن الغزو الاميركي للعراق سوف يكون بداية وليس نهاية ذلك ان الاطاحة بنظام بغداد تعني وفقا للمؤشرات المتواترة تنصيب حكومة عميلة من عناصر المعارضة العراقية الخارجية التي لا تتحرك إلا وفق ارادة واشنطن تكون اولى اولوياتها الاعتراف باسرائيل واقامة علاقة تحالفية معها. وبوسعنا ان نتصور المشهد العربي عندما يتحول العراق الى قلعة اسرائيلية متقدمة، حينئذ سيكون الهدف الاميركي التالي هو تباعا سوريا ولبنان ومن ثم ايران. لكن واشنطن سوف تفكر الف مرة قبل اعتماد هذه الاجندة الشريرة، لو ووجهت باصطفاف عربي يبدأ بمحور يكون نواة لتحشيد عربي واسلامي على نطاق اوسع.