مهما كانت الأسباب والدوافع، فنحن هنا أمام موقف له دلالاته العميقة وعواقبه المثيرة. وعندما تتحدث صحيفة لها وزنها مثل «فايننشال تايمز» عن سحب المستثمرين السعوديين لما يتراوح بين 100 و200 مليار دولار، من الأموال المودعة في الولايات المتحدة فإن الأمر لا يتعلق بتشويه صورة السعوديين داخل أميركا فقط كما قالت بعض المصادر السعودية، ولا يرتكز على مجرد (تخمينات) أو أكاذيب كما قال البعض. ولابد أن هناك بعض الحقيقة فيما حدث. والمهم هنا ألا يصيبنا ذلك بالارتباك وألا يجعلنا نخضع للابتزاز الأميركي مرة أخرى. إن الغريب في الأمر هنا أن يندهشوا في أميركا وفي الغرب عموما مما حدث، وكأن المفروض أن يعيش الاشقاء العرب في السعودية وغيرها محنة العداء الأميركي العنصري تجاههم بعد 11 سبتمبر فيبدون الرضا العظيم والابتهاج! وان يسمعوا أقطاب الادارة الأميركية وهم يصفقون ابتهاجا بكل مذبحة اسرائيلية تجاه الفلسطينيين.. فيزداد اعجابهم بالموقف الأميركي للسفاح شارون على طول الخط! وكأن المفروض أن يراقب العرب الحملة عليهم واتهامهم بالارهاب وتحويلهم من ضحايا الى مجرمين.. ثم يبتسمون راضين ويستمرون في وضع مستقبلهم بيد اليمين الصهيوني العنصري الذي يحكم أميركا! وكأن المفروض ان تفتح المطارات العربية للقوات الأميركية لكي تضرب العراق وان يكون التأييد السياسي لهذه الخطوة كاملا غير منقوص ثم تسدد الحكومات العربية بعد ذلك فواتير هذا العدوان والا أصبحت هذه الحكومات اعداء للولايات المتحدة وشريكا في الارهاب! وكأن المفروض ان تمارس كل الضغوط على الحكام العرب وان يقبلوا الاهانة ويقدموا التنازلات وان ينتظروا في طابور المتسولين لأي حل سياسي يرضي اسرائيل ويحفظ ماتبقى من ماء وجه النظام العربي، فإذا رفض الشعب العربي في كل مكان هذا المصير وطالبت الدول العربية ببعض الحقوق العربية فهي تستحق العقاب وقطع المعونة وحملات الاساءة والابتزاز! وكأن المفروض أن يبيع العرب البترول بالسعر الذي تحدده واشنطن، ثم يضعوا أموالهم في خدمة الاقتصاد الأميركي، ثم يسمعوا من ينادي داخل البنتاغون باحتلال منابع البترول في السعودية وتجميد ودائعها في البنوك الأميركية لأنها الأساس في محور الشر.. فيقدموا الشكر للإدارة الأميركية على نواياها (الطيبة) ويضاعفوا من ودائعهم في البنوك الأميركية ومن استثماراتهم في الشركات الأميركية حتى وهي تعلن افلاسها ويتكشف احتيالها، وحتى لو تآكلت قيمة هذه الاستثمارات بفضل انخفاض قيمة الدولار وانهيار أسعار الأسهم والسندات الأميركية! الاوراق العربية المهملة قد تكون الأرقام المنشورة عن الأموال التي تم سحبها غير دقيقة (وليتها كانت صحيحة) وقد تكون حركة سحب الأموال قد بدأت قبل أحداث سبتمبر ولأسباب مالية واقتصادية، ولكن ذلك لا ينبغي ان يثير المخاوف في نفوس البعض من رد فعل أميركي غاضب، بل على العكس من ذلك ينبغي ان ينبه الأذهان الى الأوراق العربية المهملة في صراعنا الذي كاد ان يصبح لمجرد البقاء بعد ان كان المطلوب هو الممكن معا هو النهوض والتقدم بلا حدود. وبغض النظر عن صحة الارقام التي جاءت في التقرير الاخير والتي قدرت استثمارات الاشقاء السعوديين وحدهم في الولايات المتحدة بما يتراوح بين 400 و600 مليار دولار، فإن كل مانشر من تقارير موثقة قبل ذلك يبين حجم الكارثة التي تعيشها الأمة وهي ترى أموالها في الحفظ والصون الأميركي بينما هي تحتاج لاستثمار كل دولار منها داخل أرضها اذا أرادت حقا ان تلحق بالعصر وان تضمن ان يكون لها مكان في عالم المستقبل. ان التقرير الأخير للاتجاهات الاقتصادية الاستراتيجية الصادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية في (الاهرام) المصرية يقدر حجم الاستثمارات الخارجية العربية بين 750 مليار دولار وتريليون دولار، ويشير الى ان أمين عام الغرف التجارية السعودية له تقدير اخر حيث يقدرها بنحو 1400 مليار دولار يعود نصفها للسعوديين. ويأخذ التقرير موقفا متوازنا في هذه القضية، فيؤكد انه رغم الخسائر التي منيت بها هذه الاستثمارات في السوق الأميركية فإنها لا تستطيع الانسحاب الفوري لأسباب عديدة أهمها ان الخسائر في هذه الحالة ستكون فادحة، وبدلا من ذلك يركز التقرير على ضرورة التوقف عن ضخ استثمارات أو ودائع جديدة في السوق الأميركية التي اصبحت (اقتصاديا واجتماعيا) غير ملائمة للاستثمار العربي. ويدعو التقرير الى اغراء الأموال العربية بالتوطن في البلاد العربية، وفي نفس الوقت يعترف بالعقبات التي تواجه ذلك ويؤكد ان الأمر يتطلب مكافحة حقيقية للفساد المتفشي وتخفيض الاجراءات البيروقراطية التي تعرقل المحاولات الحقيقية لتوطيد الاستثمار العربي. لكن الأمر أبعد من ذلك، فهو يتطلب - قبل الاجراءات الاقتصادية وبعدها - ارادة سياسية تضع في بؤرة اهتمامها تنمية المجتمع العربي ونهضة الأمة من كبوتها. وهو مايشير اليه تقرير التنمية البشرية الذي اعده لفيف من الباحثين العرب بمشاركة الأمم المتحدة واثار نشره أخيرا ضجة كبيرة. فالتقرير يشير الى حاجة الدول العربية لخلق 50 مليون فرصة عمل جديدة خلال عشر سنوات لمواجهة البطالة التي زادت نسبتها على 15% من قوة العمل في معظم البلدان العربية. ويشير التقرير الى ما تعانيه معظم الدول العربية من مشاكل اقتصادية والى تدهور أوضاع المواطن العربي في الدول العربية التي يقل حجم انتاجها القومي مجتمعة عن حجم الانتاج لدولة أوروبية مثل: أسبانيا ثم يؤكد على حقيقة أساسية وهي انه (اذا توافرت الارادة السياسية فإن البلدان العربية تتوافر لها الموارد اللازمة لاستئصال الفقر المطلق ربما في غضون جيل واحد.. فالالتزام السياسي وليس الموارد المالية هو القيد المانع). نعم.. الإرادة السياسية (أو بالدقة غيابها) هو المشكلة.. ليس فقط في استمرار التخلف، ولا في تبديد الموارد، ولا في تحويل ما نملكه الى طاقات اقتصادية يستفيد منها غيرنا ويحرم منها الوطن العربي، بل في كل هذه الاوضاع المتدهورة التي نعيشها والتي يصبح فيها المال العربي رهينة في بنوك أميركا، والقرار العربي أسيرا للوبي الحاكم في واشنطن، والتي تجعل من حرب الابادة التي تشنها اسرائيل على الشعب الفلسطيني واقعا يوميا نعيشه ونتعايش معه، ومن حرب تدمير العراق قدرا محتوما، والتي تجعل وضع الخريطة الأميركية الجديدة للمنطقة موضع التطبيق أمرا ممكنا حتى ولو كانت نتيجته أن يصبح الوطن العربي كله فلسطين أو العراق.. أي برهن الابادة أو تحت الحصار! الابتزاز الاميركي غياب الارادة السياسية هو الذي جعل النظم العربية تخضع للابتزاز الأميركي بعد 11 سبتمبر والذي حاول ان يستغل حقيقة ان معظم منفذي هجوم سبتمبر كانوا من السعوديين، وان من قيل انه تزعم العملية مصري، حاول ان يستغل ذلك بفرض الاجندة الأميركية فيما اسمته الحرب ضد الارهاب على الجميع، ثم بتحميل المسلمين والعرب المسئولية عن هذا الارهاب واعلان (الحرب الصليبية المقدسة) عليهم.. كما جاء في (زلة اللسان) الشهيرة للرئيس الأميركي والتي اثبتت الايام ومازالت تثبت انها الحقيقة الاساسية في السياسة العنصرية التي تحكم الادارة الأميركية اليمينية قبل وبعد 11 سبتمبر. ولقد تمادت الولايات المتحدة في سياسة الابتزاز بعد 11 سبتمبر. وتعاون اليمين الأميركي مع اللوبي الصهيوني في ادارة حملة كراهية ضد العرب والمسلمين، وفي استغلال الموقف لتصفية القضية الفلسطينية واعادة تخطيط المنطقة العربية بما يحقق السيطرة الأميركية الكاملة عليها ويعظم من الدور الأساسي لاسرائيل. وكان البائس في الأمر هو العجز العربي الفادح في مواجهة هذه المخططات. ولأسباب عديدة - أهمها غياب الارادة السياسية - لم تستطع النظم العربية ان تحمل أميركا المسئولية الكاملة عن الارهاب الذي كانت أحداث 11 سبتمبر احدى حلقاته.. فأميركا هي التي رعت هذه الجماعات التي دعيت إلى (الجهاد) في افغانستان تحت راية أميركا وفي خدمة أهدافها، والمخابرات الأميركية هي التي دربت هذه الجماعات وسلحتها واستخدمتها في حربها ضد السوفييت، واستخدمت الاسلام ليكون سلاحا في الحرب الباردة بينها وبين الاتحاد السوفييتي السابق. وأميركا هي التي نظمت مشاركة الاطراف العربية والاسلامية في هذه الحرب، وهي التي فرضت على بعض الأنظمة ان تساهم بالسلاح السوفييتي الذي كان في حوزتها، وفرضت على البعض الاخر ان يدفع تكاليف الحرب الأميركية ضد السوفييت باعتبارها جهادا من أجل الاسلام. وأميركا هي التي أطلقت الشباب المسلم من ضحاياها بعد انهاء مهمتهم في افغانستان لكي تبتز النظم العربية وتدمر المجتمعات العربية من الجزائر الى مصر الى اليمن الى السودان، وهي التي وفرت لهذه الجماعات المنابر الاعلامية والدعم السياسي، وهيأت لقيادات هذه الجماعات المأوى والمقر في أميركا وأوروبا ليقودوا حرب تدمير المجتمعات العربية. ولم تتغير الأوضاع الا بعد أن تقاطعت السبل بين واشنطن والجماعات التي صنعتها. وهنا فقط تحول ضحايا الارهاب من العرب والمسلمين الى متهمين، وأصبحت (القاعدة) التي اشرفت أميركا على انشائها مسئولية عربية، واصبحت (طالبان) التي قادتها المخابرات الأميركية لحكم افغانستان.. صناعة اسلامية!! وتداعت الأمور بعد ذلك، فأصبحت المقاومة الفلسطينية المشروعة جزءا من (الارهاب) واصبح شارون - في عرف الرئيس الأميركي - بطلا للسلام، واصبح القضاء على الانتفاضة الفلسطينية مسئولية عربية، واصبح التلكؤ في تنفيذ الأوامر الأميركية أمرا لا تحتمله الادارة الأميركية حتى ولو كان المطلوب هو التسليم بكل ماتريده اسرائيل على الأرض العربية أو تدمير العراق، أو محاصرة سوريا ومصر، أو تقسيم السودان.. وحتى تعديل المناهج الدراسية واعادة النظر في الثقافة الاسلامية بعد أن افتى الرئيس الأميركي المؤمن بأن الاسلام دين سيئ (!!).. كبرت كلمة تخرج من أفواههم الدنسة! الارادة الغائبة والآن.. تبدو الحملة الأميركية في أوجها، وابتزاز العرب يتصاعد، وقرار ضرب العراق وتدميره وتقسيمه يبدو بلا رجعة، والسودان برسم التقسيم، وسوريا ولبنان ينتظران الدور بعد العراق، ومصر تحاصر اقتصاديا، والسعودية تهدد بتجميع الأرصدة واحتلال منابع البترول.. ولا شيء ينقذ الأمة الا استعادة الارادة السياسية الغائبة، فبدون ذلك يصبح ما نملكه من أموال وثروات وامكانيات بشرية عبئا علينا، وباستعادة الارادة يتحول كل ذلك الى أسلحة مؤثرة في معركة المصير التي تخوضها الأمة العربية الآن. ولا أحد يطلب محاربة أميركا - ولكن ماذا في يدنا اذا كنا نواجه الحرب الصليبية المقدسة التي اعلنها الرئيس الأميركي في لحظة صدق مع نفسه؟ ماذا نفعل اذا كانت طائرات الفانتوم تقصف الأطفال الفلسطينيين بقرار من بوش قبل شارون؟ ماذا نفعل والعراق مهدد بالابادة وسوريا ولبنان في لائحة الارهاب الأميركي، ومصر والسعودية يوضعان في خانة اعداء أميركا؟ انها حرب البقاء، ولن يحسمها الا استعادة النظم العربية للارادة السياسية الغائبة، فتدرك ان مشروعيتها في يد مواطنيها وليست في البيت الأبيض، وان حسابها امام شعوبها سيكون عسيرا اذا لم تواجه معركة الابتزاز الأميركية - الاسرائيلية بقوة لا تهدر ما تملكه، ولا تتنازل عما لا تستطيع التنازل عنه، ولا تتسول أو تتوسل وهي تملك - اذا ما امتلكت الارادة - ان تستعيد حقوقها المسلوبة، وان تضمن أمنها المستباح، وان تكون طرفا فاعلا في تقرير مصير المنطقة. وليست القضية الآن هي حجم ما تم سحبه من أموال عربية من السوق الأميركية وهل عادت هذه الأموال للأسواق العربية أم ضلت طريقها مرة أخرى للبنوك الاجنبية وانما القضية ان نعيد اكتشاف الحقائق البسيطة، وهي اننا نملك كل أسباب النهضة ولا ننهض، ونملك كل أسلحة المقاومة ونتخلى عن المقاومة، ونتهم الارهاب ونحن ضحاياه، ونخضع للابتزاز لاننا نفقد الارادة القادرة على ان نقول: لا. فهل آن لكل ذلك ان يتغير؟! ـ نائب رئيس تحرير «اخبار اليوم» المصرية