اشرنا البارحة الى اهمية استخدام الالفاظ الواضحة الدلالة على المعنى الذي يقصده الكاتب في تلك الاعمال المعروضة على القاريء العادي، غير المتخصص في بعض الابحاث التي بالغ كتابها في الاغراق في المصطلحات الدقيقة التي لم تألفها أذن السامع، وليس لها اي تفسير لديه، واوضحنا ان توفر عنصر الوضوح والسلاسة هو احد مقومات عناصر النجاح في توصيل الرسالة التوعوية الى ذهن المتلقي قارئاً كان ام مشاهدا وسامعاً. واضافة الى اهمية هذا العنصر في تحقيق التواصل بين المرسل والمستقبل هناك عنصر آخر التفتت اليه احدى الاذاعات الشهيرة في الولايات المتحدة الاميركية، واعتنت به عناية فائقة. هذا العنصر المهم هو تلبية حاجة المستمعين وتقديم المادة الاعلامية التي تواكب اهتماماتهم وتخاطب نزعاتهم الانسانية بقدر من الاثارة والتشويق من اجل انجاح الرسالة الاعلامية التي تحملها تلك المحطة الاذاعية. وانطلاقا من اسم المحطة، ومروراً على مفردات برامجها يلاحظ المتلقي للخدمة الاذاعية توافقا عجيباً في العمل المقدم مع مطالب واحتياجات المستمعين فالاسم الذي اختاره المسئولون عن تلك الاذاعة هو « what does this mean forme» ويعني الاسم بالعربية «ماذا يعني هذا لي». والاسم الغريب هذا مقصود بحد ذاته من اجل بيان الهوية الحقيقية التي تتميز بها هذه المحطة، ومن اجل بيان الثوب الذي تلبسه كافة برامجها في خدمة الهدف الذي اسست من اجله. لقد نجحت الاذاعة بالفعل في الاستحواذ على اعجاب الناس لان لديها رسالة واضحة تعبر من خلالها عن حرص شديد على مخاطبة احتياجات المستمعين، وتلبية تلك الحاجات. ولقد استفاد مؤسسو هذه الواجهة الاعلامية من دراسات علم النفس التي تؤكد ان الانسان لا ينجذب لموضوع لا يعنيه، ولا يمس حاجاته الخاصة، كما انه في المقابل يتفاعل بشكل جيد مع كل ما يجيب عن اسئلته او يلبي طموحه، او يعرفه بالطريقة المناسبة ليعالج بها مشاكله الخاصة. ورغم وجاهة هذا الرأي الا ان بعض المواد الثقافية المقدمة للجمهور لا تتجاوب للاسف مع هذا الرأي العلمي، وهو ما يجعل من تلك الاعمال ضعيفة الأثر، وغير قادرة على جذب الجمهور. كما ان القائمين على تلك المحطة الاذاعية الناجحة استفادوا من طريقة بث الاعلانات التجارية، والاساليب المستخدمة في جذب المشاهد وحمله على بذل ماله وهو راضٍ وسعيد. وبنوا على تلك الاعلانات نتائجهم الخاصة في اهمية ان يشعر المتلقي بقيمة المادة الاذاعية المعروضة عليه. ان فكرة الاعلانات التجارية تنطلق من مخاطبة الانسان بناء على الاجابة عن هذا السؤال الطبيعي، وهو: «ماذا يعني هذا العرض بالنسبة لي؟» ولذلك فأنت تجد ـ ايها القاريء الكريم ـ تركيز الاعلان التجاري على بيان فوائد ومزايا المادة المعلن عنها من اجل اقناع المشاهد ان تلك الفوائد اثمن من ان تفوت او تضيع منه، وهو ما يرفع من شأن السلعة في عين المشاهد، ويجعله يختار عن طواعية ورضا ان يقتني تلك السلعة التجارية. أليست هذه مهارة وذكاء في جذب الجمهور؟ الجواب بلى، ومن اجل هذا النجاح الذي يصادف الاعلانات ألم يكن واجبا ان يحرص المثقفون الذين لديهم بضاعة فكرية على ان يروجوا لها وفق الآلية التي تحكم الاعلانات التجارية، وعن طريق تطبيق القوانين ذاتها التي تحكم الاعلان التجاري من اجل الوصول إلى عقل المستمع، ووجدانه واقناعه بفائدة الافكار التي تعرض عليه؟ ومن اجل ذلك نؤكد أن فهم العلاقة التي تحكم المنطق الذي يتعامل به التجار المروجون لبضاعتهم عن طريق الاعلان التجاري يساعد على اختصار المسافة النفسية بين المشتغلين بالعمل الثقافي والتوعوي وبين السواد الاعظم من الناس الذين بدا لهم الشأن المعرفي شيئاً صعب الفهم، كما انه من قبيل الترف الفكري الذي لا يلزمهم في حياتهم الشديدة التداخل، وذات الايقاع السريع الذي لم يعد بالامكان انكار آثاره على نفسية الفرد وعلى طريقة تعاطيه للامور التي لم يعد يرى لها اثراً معيناً في حياته وبالتالي صرفها بعيدا عن دائرة الاهتمام ومضى يسير نحو غده بنفس الروح المثقلة بالأعباء التي تصر على الالتفات فقط الى ما يحقق لها الفائدة، ويدفع عنها الاذى. والناس في هذا المنطق معذورون، فطالما ان العمل الثقافي المقدم لهم لا يمثل اي فائدة يلمسون نتائجها في حياتهم فلماذا يلتفتون إليه؟! ان الحل في علاج حالة الفتور بين الثقافة والناس يقتضي أن تكون المادة المقدمة قادرة على الاجابة عن السؤال الاهم: ماذا تعني تلك الموضوعات بالنسبة للقاريء؟ لو اجاب كل مشتغل بقضايا الثقافة والمعرفة على هذا السؤال، وضمنه في العمل الذي بين يديه فان مستقبل المعرفة في عالمنا العربي سيصبح اكثر ازدهاراً واشراقاً.