شعر الميدان اكثر ضروب الشعر علاقة بالغمز واللمز والتحدي وجلاء الحقيقة، وهو فن اشتهر في الخليج ويتبارى فيه الشعراء على اكثرهم قدرة على الجاهزية الشعرية ، والالتقاط، ولو كان هذا الشعر حيا وحاضرا مثلما كان في السابق بجلساته التي كانت تضم عشرات الشعراء في الاسواق والميادين يحللون ويقولون ما لا يقال جهرا شعرا.. لقالوا اليوم الكثير في كوارث هذا الزمان وهذا العصر، ولقرأوا بقرائحهم ملامح ما يحيط بنا ويحدث من امامنا ومن خلف ظهورنا.. لكن ما عاد هناك شعراء يغمزون او يلمزون او حتى يجاهرون بما تسره صدور شعوبهم، ذهب الشعراء الى خيام من البلاستيك والاسفنج العصري، فمالوا واهتزوا على موجات الفضاء كيفما شاء لهم هذا الفضاء الذي افسده كل من لا يحبنا ولا يريد لنا صلاحا.. غاب الكل عن الميدان.. فصار حقيقة ان نقول اليوم على احوالنا والاخطار التي تتهددها..«دوس البريسم يا خضر دوس.. وزرعك يا بيدار بندوسه..واللي يخش الفار في المندوس يصبر على صياع مندوسه».. نهبت مناديس العرب جملة وتفصيلا يوم ان اسكنا فيها الفئران والضباع وقربناها الى اسرارنا، صار الخراب في عقر دار العرب، والعرب ينهشون بعضهم البعض، كل يلقي الاسباب على الاخر..تهنا في الدوامة الكبيرة التي خطط لها، تطوينا في هذه الغفلة.. وصارت جحافل العدو ليست فقط على الثغور، بل هي في المناديس التي اعتقدنا ولا شككنا يوما انها ستخترق.. تقرأ الاحداث من حولك فتدرك اليوم ان كل فوهات البنادق مسددة الى صدرك ورزقك وخيرك، تفتش بين ثناياها وفي ما خفي منها وما بطن، فتعرف ان قلب العام قد اوغر حقدا وغضبا عليك..انت امام كومة البارود التي تنتجها مصانع الضباع، انت على دائرة المنظار الرقمي لطائرة تحلق فوق رأسك، همسك يتردد على مؤشرات اقمار التجسس التي صارت من دقة توجيهها نحوك تلتقط حتى انفاسك على الوسادة.. انت في بطن الشبكة المنصوبة لك اينما ذهبت واينما زرعت الارض بأقدامك..تتنفس الهواء الذي كهربوه حتى يتحكم في احلامك وقيمك، صرت مؤدلجاً لصالح الضباع والفئران.. وصارت احوالك بيد جرذ مثل شارون واقرانه وخلانه ومطلقى العنان لانفه المسموم بالطاعون..صرت كأرانب التجارب، وكنعاج الاستنساخ.. مسخت حياتك وكينونتك ورمي بتاريخك، الذي ابقيت على فمك وظيفة لوكه، امام المارة.. وصرت دون ان تدري او تدري العلة والسبب.. مهزوماً، ملعوناً، ملعوباً بك، مشترى ومباعاً، ترتيبك اسهل من ترتيب ماخور، يلذعونك، ويلدغونك متى ارادوا وشاءوا.. شيؤوك لصالحهم العام.. هم يملكون البارود وأنت الذي تمتلك الجمجمة الهدف..فمن انت في النهاية وبهذه النتيجة.. المنطقة تحترق بالاكاذيب والاباطيل، والدولار يفرك قلبك كلما توقف عن ضخ دمائه لاحواضهم..ادفع لتشتري براءتك، ادفع لتشتري امنك، ادفع لكي تبقى ظلاما في الظل.. من جاء بهذا الفأر الى مناديسنا؟..سؤال سيصوبه ابنائنا ومن بعدهم الى تاريخنا الحاضر ذات يوم..يوم نكون قد دفنا رؤوسنا في التراب كالنعام!!