الحملة الهستيرية التي تجري على قدم وساق من جانب جورج بوش الرئيس الأميركي لضرب العراق وتجاهل الانتقادات الداخلية والعربية والدولية، مع الحرص على استعداء الشارع العربي ليست إلا دليلاً على شواهد كثيرة بدأت تتكشف خيوطها يوماً بعد يوم تؤكد ان السياسة الأميركية الراهنة تهتدي برؤية بوش العمياء وهو ما قد يضع الولايات المتحدة على حافة طريق وصراع لا يمكن التنبؤ بعواقبه. وليس أدل على ذلك من إعلانها أمس بلغة الترهيب أنها ستعمل على إزالة اليورانيوم المخصب من 24 مفاعل أبحاث في 16 دولة لمنع وقوع تلك المادة في ايدي جهات تتهمها بالارهاب وانها اجرت عملية قرصنة مماثلة مؤخراً قرب بلغراد بالتعاون مع روسيا اطلقت عليها عملية «فينكا» السرية. وهكذا وضعت الولايات المتحدة 16 دولة على قائمة الانتظار الأميركية تتيح لها كامل الحرية ـ من وجهة النظر الأميركية بالطبع ـ للتدخل في شئون تلك الدول حتى وإن كانت كل تلك المفاعلات مخصصة للأبحاث، وبالطبع أيضا كالعادة تخرج دولة الاحتلال الاسرائيلية من دائرة الحسابات الأميركية. وهذا يكشف على الاقل من الناحية الشكلية عن الاسلوب الجديد لراية الارهاب التي رفعتها سياسة بوش تجاه معظم دول العالم أو ما تصفهم بالدول المارقة ومحور الشر وهي قائمة تطول كل يوم حسب المصالح الأميركية وأوهام رؤى بوش المتخبطة في أعقاب أحداث 11 سبتمبر وسيناريوهاتها. ولعل بوش فيما يتعلق بقراره المرتقب لضرب العراق يهتدي برؤية نظر الى العالم كساحة للقتال بين الخير والشر وأصبح خطاباً سياسياً يسعى من خلاله لإقناع العالم بأن الولايات المتحدة ترتدي فعلاً ثوب الخير وما يخرج عن طوعها او من ليس معها فهو الشر بعينه متناسياً أن رؤيته دفعت ليس فقط الرأي الأميركي العاقل بالداخل ولكن الرأي العام العربي ومعظم الرأي العام الغربي الى التهكم على رؤية بوش ووصفه بالجهل والسذاجة لأنه يرى ان الولايات المتحدة فقط هي قوة للخير بل يمكن أن يدفع البعض للتعاطف مع «اللوثة العقلية» التي تملكته ويمكن أن تدفع بلاده الى بداية طريق التقهقر والعد التنازلي من موقع قيادة العالم. وإذا كان خبراء السياسة الاميركية والواقع الراهن لها يؤكد في مجمله أن بوش جاء إلى موقعه لقيادة زمام الأمور لأكبر واقوى دولة في العالم دون خبرة سابقة في السياسة الخارجية، فإن رؤى بوش تكشف عن فشل ذريع وجهل واضح في اسلوب الاعتماد على القوة واعتماد الارهاب كلغة لقيادة العالم مع بداية القرن الواحد والعشرين بل ان بوش ان لم يدرك أخطاءه ويستنر بنداء العقلاء فإنه لا محالة يهوي بدولة القطب الواحد اميركا العظمى الى مصير أعمى ومستنقع يليق بها.