ارتبط مفهوم المقهى بالرجل حيث يجد فيه شيشة وصحبة وقهوة وماء والجلوس وقتاً طويلاً دونما حرج والاستمتاع بقراءة الصحيفة مجاناً ومشاهدة المباريات الرياضية، او غيرها من البرامج التلفزيونية والتعرف الى اشخاص جدد، والقاسم المشترك الاعظم بينهم هو تمضية الوقت حتى يحين موعد الغداء او العشاء فيغادر مقعده على أمل ان يعود اليه ثانية لتمضية بقية العمر! الرجال عادة يفضلون المقهى الشرقي وليس «الكافي شوب» لان المقهى الشرقي فيه من مفردات المتعة وسعة المكان وبراحة الوقت ما يشفع لكي يجلس المرء طويلا، بينما الكافي شوب المودرن لا يصلح للاوقات الطويلة لانه اكثر تنظيما من ناحية الندلاء الذين يرتدون ثيابا موحدة ويتحدثون انجليزية مخلوطة بالهندي او الفلبيني ويسارعون الى استبدال مطفآت السجائر بعد كل نفس ويحضرون القهوة السايطة بلا ماء حتى تتم الاستفادة من فاتورة اضافية من الزبون، وهو مكان يجمع الجنسين وليس حكرا على الرجال فقط ودرجة البرودة فيه تصيب الجالسين بالقشعريرة حيث يغادرون بسرعة طلبا للدفء او هرباً من روماتيزم المفاصل. ميل الناس للاستمتاع بالمقهى سببه مراقبة الاخر: كيف يأكل ويشرب وماذا يقول واي تبغ يدخن ومن هم جلاسه وفي اي مواضيع يثرثون ـ صحيح ان هذا التوصيف يناسب المخبرين، لكنه فضول في الدرجة الاولى ـ لذلك ينأى زبائن المقهى بأنفسهم عن الوسط ويفضلون الجلوس قرب النوافذ او في الزوايا البعيدة لانها تمنحهم امكانية المراقبة المركزة وعليه تجد زوايا المقهى وشبابيكه مكتظة ولا احد يتوسط المكان، وعلى ذكر الوسط فالناس ميالة الى الوسط لانه يضمن ارضاء مزاج الاخرين فالآراء الوسط لا تفقد صديقا ولا تغيظ عدواً والحلول الوسط ترضي جميع الاطراف. والمقهى هو حل وسط بين بقاء الرجل في المنزل او العمل، فاذا أطال المكوث في احدهما دب اليه الملل واصابه السأم ولا مفر من نكد منزلي يتمثل في طرطقة بعض المسامير وتثقيب الجدران او تزييت الابواب والتدخل احيانا في طريقة ترتيب مقاعد الصالة او البحث عن غرض مفقود منذ اشهر وهنا يحدث الصدام مع الزوجة فتشخط فيه شخطة مضرية يهرب على اثرها الى احد المقاهي ليجلس في الزاوية ويراقب عباد الله. ولن يكون الحال افضل لو أطال المكوث في العمل فيبدأ في الفلفشة والبحبشة في اسرار الزملاء عارضاً اداء بعض الخدمات التطوعية كأن يقول لزميله: اترك شأن الفاكسات وانا سأقوم بتوزيعها على الزملاء كل حسب اختصاصه، ولن يوفر جهداً للرد على هواتف الاخرين مدعيا انه يمكن ان يساعد في ايصال ما يريد المتصل الى الزميل المعني، وعندما لا يجد سراً يستحق كل هذا العناء، يهرب الى الكافتيريا ليجلس في احدى زواياها ممارسا هوايته المفضلة في مراقبة الموظفين. عموما الناس تبتعد عن الوسط حتى لا يصبحوا تحت العين فيكونون هدفا سهلا للفضوليين، لكنهم يشربون قهوتهم وسط شأن صحتهم التي لو سألنا عنها لقالوا «ماشي الحال» يعني وسط لان الصحة الزائدة كما السكر في القهوة مدعاة للحسد والصحة السادة التي بلا سكر تثير الشفقة لذلك خير الامور اوسطها، وهذا حال الرجل العربي فكل اموره وسط في محيطه الخارجي ولكنه متطرف في منزله، وهو قطعا ليس حفيدا اصيلا لابي فراس الحمداني الذي قال ذات نخوة: ونحن اناسٌ، لا توسط عندنا لنا الصدرُ دون العالمين او القبرُ