منذ شهور عدة، وطبول الحرب تقرع في (البيت الابيض)، بالأيدي الصهيونية ضد العراق الشقيق.. وقد كاد دوي هذه الطبول يعمي العيون، ويصم الآذان، عن حرب الابادة التي يشنها الارهابي العالمي ـ شارون ـ على شعبنا في فلسطين على مدار الساعة، متخذاً من احداث الحادي عشر من سبتمبر التي اصابت الدماغ الاميركي بالارتجاج ـ ذريعة ـ لتكثيف عمليات التدمير والتقتيل، التي بدأها العدو الصهيوني منذ نيف ونصف قرن في فلسطين، وما زال يوقد نارها بما وهبته اميركا من اسلحة ودعم في جميع الحقول والميادين. ويتساءل المواطن العربي الذي انهكته الاحباطات والانتكاسات وهو يحارب على جبهتي الاقليمية والقطرية المدانة من جهة، والعدوان الصهيوني العنصري الاميركي من جهة اخرى، عن الهدف الذي تحاول اميركا تحقيقه جراء حربها على العراق في قلب المنطقة العربية التي تزعم ان لها اصدقاء مخلصين فيها؟!! وتأتي المبررات، والذرائع، سواء كانت حقيقية، او تلفيقية، من دوائر ـ البيت الابيض ـ في اميركا وبعض البيوت السود في عدد من العواصم العالمية لتحدد بعض جوانب هذه الذرائع: 1- اصلاح الخلل، وتلافي الفشل الذي اصاب سياسة اميركا في تحقيق ما يسمى بسياسة الاحتواء المزدوج في المنطقة واستهجان العالم واستنكاره لاستثمار الحصار والعقوبات الجائرة وغير المسبوقة في التاريخ المفروضة على العراق. 2- استغلال سكوت العالم عن ضرب أفغانستان بحجة محاربة الارهاب، من خلال حرب تمثل اعتى واشنع انواع الحرب الارهابية في العالم الامر الذي أغرى ـ صقور ـ البيت الأبيض بتكرار التجربة في العراق!! 3- ادراك اميركا ان انهيار نظام ـ العقوبات ـ الذي فرضته بالتعاون مع بريطانيا ـ على العراق وخارج حدود الشرعية الدولية، سوف يجير لصالح اوروبا، والدول الكبرى في العالم التي تتنافس على خطب ود العراق للاستفادة من طاقاته الهائلة، واعادة اعماره، ولعل الصفقة الاقتصادية التي اعلن عنها مؤخراً بين العراق وروسيا والتي تتجاوز ـ الاربعين مليار دولار ـ خير دليل على ذلك. 4- الحاجة الملحاحة للرئيس بوش لالهاء الرأي العام الاميركي الغارق في فضائح انهيار الشركات العملاقة، وموجات الفساد الاقتصادي، وذلك بصرف انظاره نحو احداث هامة خارج حدوده. 5- حرص اميركا على الهيمنة الكاملة في المنطقة العربية بشكل مباشر، بالدبابة، والصاروخ، والجنود على الارض، واحداث ـ سايكس بيكو ـ جديد في بداية القرن الحادي والعشرين كما فعلت دولتا الاستعمار القديم ـ بريطانيا وفرنسا ـ في مطالع القرن العشرين لاحداث جروح وشطوب جديدة في الجسد العربي. 6- تدرك ادارة البيت الابيض ان السيطرة على العراق تشكل حصاراً محتماً، ومحكماً، لدول الجوار، وضرورة اميركية استراتيجية خاصة بعد المصالحة التاريخية التي تمت في قمة بيروت الاخيرة، والموقف العربي الموحد ـ رسمياً ـ ازاء مسألة الصراع العربي الصهيوني، الامر الذي افقد الكيان الصهيوني العنصري صوابه، وراح يفجر حقده في كل اتجاه في فلسطين. 7- وبما ان اية سياسة، ترسمها اميركا في المنطقة هي برسم ـ الكيان الصهيوني ـ فإن حرب العراق ـ في حال حصولها ـ انما هي اعظم خدمة تقدمها الادارة الاميركية لهذا الكيان الذي لابد ان تتحرك اذرعته في اللوبي الصهيوني في اميركا، لرد الدين عبر الانتخابات القادمة!! وبالرغم من انعدام المناخ المناسب مكاناً وزماناً في المنطقة العربية لتنفيذ اميركا تهديداتها ضد العراق، وبالرغم من وقوف العديد من الانظمة في اوروبا والعالم صراحة ضد العدوان على العراق فإن الخطط ترسم، والسيناريوهات الحربية توضع، وتسرب تفاصيلها عبر القنوات السرية، والاعلامية، لجميع المعنيين في العالم. وهنا لابد ان تدرك اميركا مجموعة من الحقائق الثابتة قبل ارتكاب حماقتها ضد العراق: 1- ان العرب في الذروة والسفح حكاماً ومحكومين، وقادة وجماهير، جميعاً ضد الحرب على العراق، بما في ذلك الكويت، ودول الخليج عموماً. 2- ان هذه الحرب لن تترك لاميركا صديقاً واحداً في المنطقة بالرغم من معاملتها لاصدقائها باعتبارهم اتباعاً واجراء لا شركاء!! 3- ان العراق ليس افغانستان، وان بغداد الرشيد والامين والمأمون، وقبلهم حمورابي، ونبوخذ نصر، لن تكون كابول، وشعبها بالتأكيد ليس «طالبان». 4- ان الصراع النفطي سوف يصيب جميع الرؤوس في العالم بالصداع جراء هذه الحرب وفي المقدمة اميركا واصدقاؤها. 5- قد تحدد اميركا بداية الحرب التي تخوضها بوكالة صهيونية عنصرية ضد العراق، غير ان نهايتها مربوطة بصخرة المستحيل حيث لا حصانة لأي نظام في المنطقة والعالم من جمرة هذه الحرب المدانة. ان الشارع العربي يدرك يقيناً، ان ادارة البيت الابيض الحليف الاستراتيجي للكيان الصهيوني ستجعل العراق اولاً في هذه الحرب، ليأتي بعدها بقية الدول المرصودة في قائمة «محور الشر» وحلقاته التي ترى في الصهيونية الخطر الاكبر على المنطقة والعالم.. ان المطلوب من الجماهير العربية وقياداتها المناضلة ان توحد مواقفها في مواجهة الخطر الصهيوني ـ القادم وراء البحار لينضم الى جبهة شارون ـ هنا في فلسطين، ويشن الحرب على العراق اولاً!! ويقيني ان الشارع القومي لن يكون متضامناً مع العراق الشقيق فحسب، فالجسد الواحد لا يتضامن مع ذاته، بل يتوحد، يتفاعل، يتلاحم لرد الخطر الذي لن يستثني احداً من جرائمه وشروره. وان الامة التي جابهت التتر والمغول، وحملات الفرنجة، ومختلف صنوف الاستعمار وصمدت، لقادرة على استعادة دروسها في الجهاد والاستشهاد، والفداء، لدحر العدوان الصهيوني الاميركي، وتحقيق أهداف شعبنا في تحرير ارضه، وبعث رسالته، واقامة مشروعه القومي النهضوي المنشود. ـ نائب رئيس اتحاد الصحفيين العرب