جورج بوش بدأ يتراجع فيما يبدو عن مغامرة الاطاحة بنظام الرئيس صدام حسين رغم ان هذا التراجع ليس معناه بالضرورة صرف النظر عن ضربة جوية لأهداف منتقاة داخل الاراضي العراقية. لكن تراجع الرئيس الأميركي ليس بسبب معارضة الحلفاء الأوروبيين وتردد الاصدقاء العرب بقدر ما هو راجع الى تصاعد المعارضة الداخلية الشرسة بين صفوف الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة بمن ذلك قيادات الحزب الجمهوري الذي ينتمي اليه الرئيس بوش نفسه. ولادراك مدى القوة المعنوية لهذه المعارضة الداخلية لا أجد أفضل من مقالة في «واشنطن بوست» كتبها صامويل بيرغر. أما لماذا صامويل بيرغر تحديدا من بين كبار السياسيين والجنرالات المعارضين الذين طرحوا وجهات نظرهم في الوسائل الاعلامية الاميركية فلأن بيرغر اولا يهودي.. وثانيا لأنه مستشار سابق لشئون الامن القومي في البيت الابيض حتى قبل عامين فقط. بيرغر، ابتداء، لا يختلف مع ادارة بوش في اعتبار نظام الرئيس صدام خطراً على منطقة الشرق الاوسط وعلى الولايات المتحدة نفسها لكنه مع ذلك يتحدث عن «محاذير». وفي هذا الصدد يقول: «ان اساءة تقدير التحديات المتعلقة بالاطاحة بنظام صدام تتساوى مع اساءة تقدير التهديد الذي يمثله ذلك النظام». ما هي هذه «التحديات»؟ هنا يستعرض بيرغر عددا من السيناريوهات التي ظلت موضع نقاش مكثف بين كبار جنرالات البنتاغون.. متفحصاً كلا منها على حدة. تناول هذا الخبير أولا «النموذج الافغاني» الذي ينطوي على تنصيب حكومة موالية، ولتطبيق هذا النموذج على الحالة العراقية فان المطروح هو تسليح المعارضة العراقية لتزحف صوب بغداد تدعمها قوة جوية اميركية لكن مع تدخل اميركي بري محدود للغاية. غير انه «من سوء الطالع»، يقول بيرغر، ان المعارضة العراقية أضعف من «التحالف الشمالي» الافغاني بينما القوات المسلحة العراقية اقوى بدرجة ملحوظة من طالبان. ثم ينتقل هذا الخبير الاميركي لفحص الخيار الآخر وهو غزو عسكري كامل وشامل بقيادة الولايات المتحدة. وهنا يحذر بيرغر من ان مغامرة اميركية كبرى كهذه يجب ان ترسم بدقة بحيث انها تنتهي الى تحسين امن الولايات المتحدة الخارجي لا تقليصه وأن تساعد في وضع نهاية لعزلة اسرائيل في الشرق الاوسط.. لا مضاعفة هذه العزلة. فهل هذا ممكن عمليا؟ صامويل بيرغر يخشى من نتائج وتداعيات عملية غزو اميركي كامل وشامل على العراق. فقد يترتب عليها كما يحذر الدعم الذي تحظى به اميركا في حملتها الراهنة من اجل تدمير تنظيم «القاعدة» وزعزعة استقرار «الاصدقاء الاقليميين». وفي هذا يقول: «انه سوف يكون انتصارا فارغا لو ان اميركا تخلصت من صدام لتواجه ظهور حكومة راديكالية في باكستان مدعومة بترسانة نووية جاهزة». تأسيسا على هذا التحليل يتقدم بيرغر بنصائح الى ادارة بوش كما يلي في تخطيها لغزو العراق: أولا: على الولايات المتحدة ان تكثف جهودها من اجل حل ازمة الشرق الاوسط وإلا فان التأييد العربي لعمل عسكري ضد العراق سوف يكون ضئيلا وأن الغزو قد يؤدي الى مضاعفة العمليات الاستشهادية ضد اسرائيل. ثانيا: على اميركا ان تقنع الاخرين بأن تحركها ضد العراق عمل مشروع. فهناك الكثيرون من حلفاء اميركا لا يشاركونها في اعتبار ان العراق يمثل خطرا. ثالثا: على الادارة الاميركية ايضا ان تقنع الشعب الاميركي نفسه بأن نظام الرئيس صدام يمثل فعلا خطورة تبرر تورط اميركا في حملة قد تودي بحياة ألوف من الجنود الاميركيين.. وقد تضطر فيها السلطة العراقية الى استخدام الاسلحة الكيماوية. وانطلاقا من تحليله ونصائحه يخلص خبير الشئون الامنية صامويل بيرغر الى خاتمة يقول فيها «مما لاشك فيه ان العالم سوف يكون مكانا افضل بدون نظام صدام. ولكننا اذا لم ننفذ هذه العملية بالطريقة السليمة فاننا قد ننتهي الى ما هو اسوأ». ان مثل هذه الاصوات الاميركية الداخلية القوية هي التي تحمل الرئيس بوش على اعادة النظر في مغامرته. لكنه اذا قرر في وقت لاحق الانصياع لضغط «الصقور» واللوبي اليهودي، فانه لن يخاطر بحياته السياسية فحسب.. بل بأمن الولايات المتحدة ايضا.