الصعيد.. دموع ساقية.. قوية.. وعافية.. كراهية تقطع شجرة معاوية.. سفينة أحزان فيها الرصاص قبطان.. رائحة ليمون تفضح جرأة العيون.. سؤال وموال وارتجال.. مذابح غيرت الملامح.... شجر نار يثير الغبار.. كلمات تفتح مقابر الأموات.. مدن حجرية محكومة بالأبدية.. طريق مستقيم ينتهي في الجحيم.. شجاعة لا تعرف القناعة.. شجر في حالة سفر.. خطر يسقط مع المطر.. حرارة صنعت حضارة.. هذيان لم يمت مع الأزمان.. ورد لا ينبت الا على اللحد.. إنسان تأكله النيران.. غول وطبول وحقول وقاتل ومقتول ولا معقول. لقد شعرت برياح ساخنة تلفح قلبي وتخرس عقلي وتحتل كياني بعد مجزرة الصعيد الجواني. موت بلا قضية.. قتل سيصبح عادة يومية.. عودة مسلسلات الدم المنسية.. نهاية مأساوية للتقاليد المرعية.. لكن.. لا أحد انزعج واعتبر ماجرى في جنوب مصر قضية قومية.. فقد رحنا نتابع حياتنا وكأن ماجرى مسألة شخصية.. عائلية. سينزعج الناس مني لو قلت ان الثأر في الصعيد فقد أعز مايملك: شرفه.. تحول إلى عار وغبار.. وانتحار.. ودمار وخراب ديار.. إن الثأر كان قانوناً صارماً من قوانين الحضارة.. فما الذي جعله لعبة صغار يلهون بالرصاص والحجارة؟.. العين بالعين.. السن بالسن.. الكبير بالكبير.. المتعلم بالمتعلم.. الأمي بالامي.. المرأة لا تقتل.. الطفل لا يمس.. ميزان دقيق يتجاوز في دقته ميزان الذهب.. فما الذي جرى؟.. لماذا اختل الميزان؟ لماذا جاء الشتاء في عز الصيف؟.. وسبق شهر يوليو شهر يناير؟.. وجاء يوم الجمعة فور انتهاء يوم الاحد؟.. لماذا خرجت الأرانب ترتدي ثياب النمور؟.. لماذا ساد الظلام في وضح النهار؟ إن الصعيد منذ الهجرات العربية التي استقرت فيه وفرضت عليه عادة الثأر وهو محكوم بقيم اخلاقية صارمة تفرضها عليه العائلة والقبيلة.. هي التي تحدد مايفعل ومالا يفعل.. مايقبل وما لا يقبل.. مهما كانت ثرواته المالية والثقافية والعقلية والعقارية.. ومكانته الاجتماعية.. فالخروج عليها كالخروج من الثياب.. عري وعار.. قهر وكفر.. فضيحة وجريمة.. وكارثة عظيمة.. تنتهي بصاحبها ان يكون وليمة.. ويتحكم في العائلة والقبيلة اكبر الرجال سنا.. قراره ينفذ في الجدار.. وايمائة رأسه تحدد مواعيد الليل والنهار.. وهو الذي يعرف بدقة خريطة الدم والثأر.. وهي خريطة يخرج منها الصغار والنساء.. وتحدد الدور على القاتل من هنا والقتيل من هناك.. في حواري قرى الصعيد يلعب الصغار لعبة العار.. لو كان بينهم صبي قتل ابوه ولم تأخذ اسرته بثأره أصبح مرتعا لسخرية اقرانه. وفرصة نادرة للفتك بسمعته.. ان طبول القتل تدق في قلوب الاطفال وهم يرضعون الحليب.. وقبل الفطام.. ولو لم يستجيبوا لهذه الطبول فانهم يصبحون مثل مدينة مكسورة.. مقهورة.. مهزومة.. موصومة.. لا الانبياء يزورونها.. ولا الاولياء يباركونها.. ولا مصير سوى الموت أو الرحيل.. سوى أكل النعال وشرب الأوحال.. الموت خير من ان يكون الإنسان قمامة.. والرحيل افضل من ان يكون نخالة.. ان انتحار الاطفال يبدأ في الصعيد وهم في بطون امهاتهم. الثار في الصعيد سيف على رقاب الجميع.. القاتل والقتيل.. الغني والفقير.. سواء قبض على الفاعل وحوكم وسجن ونال عقابه أم فر من العدالة وعاش حياة الشتات في أرض الله الواسعة.. والقاعدة المقدسة في الصعيد: إن الثأر يدرككم ولو كنتم في حصون مشيدة.. ولأن الحرارة تجعل الدماء تفور في العروق.. ولأن الفقر يخفف من قيمة الحياة فإن القتل في الصعيد غالبا مايكون على أهون سبب.. إن السلاح الذي يعد الزوجة الاولى للرجل في الصعيد يشهر لاسباب تافهة.. لو لم يعجبه تحية الصباح من جاره.. لو سرحت دجاجة من بيت الى بيت.. لو تشاجر الصغار وتدخل الكبار.. لو خرجت كلمة عفوية جارحة.. لو.. لو.. التي تفتح شهية الشيطان.. وتفتح سجلات الدم.. وترسم خرائطه.. ان الموت هناك بالمجان.. والرصاص اغلى من البشر والرجولة عمرها قصير.. والسواد هو لون سائد.. يتسرب مثل النمل الى ثياب النساء.. وعيون الاطفال وحكايات العجائز في ليالي الشتاء القارصة.. وليالي الصيف القاتلة. ورغم ان المرأة في الصعيد لا تخرج من بيتها الا الى مكانين: بيت زوجها والقبر فإنه لا يمكن الاستهانة بها.. إنها النار التي تنفخ في الثأر.. تحافظ على سخونة الاقدار.. وفي قرار الثأر لا حوار مهما كانت كثافة البخار والغبار والأخطار.. ولا أحد يجرؤ على أن يقتل امرأة.. إن ثأر المرأة قتل رجلين.. لا رجل واحد.. فلو قتلت امرأة فإن قاتلها لا يعد رجلا. وعندما يقتل لا يدخل في الحساب.. فهو مجرد زائدة دودية لا قيمة لها. ويمكن أن تقتله عائلته لتمسح عن نفسها خطيئة ما ارتكب. ويكون هناك رجل آخر عليه أن يموت. ومعروف أن لا أحد يتقبل العزاء في رجل قتل في ثأر.. فهو يعامل كأنه لم يفارق الحياة.. تكفهر الوجوه. وتزداد صرامة الملامح.. وتتفجر شرارة الغضب في العيون.. لكن.. لا أحد يسمع كلمة «البقية في حياتك».. فلا بقية في حياة أسرة القتيل إلا إذا نام مستريحا إلى جانب قاتله.. وتمضى الحياة وكأن شيئا لم يحدث. وقد سمعت وأنا أزور أقاربي في أسيوط حكايات ربما كانت مثل الأساطير عما كان يجري في زمان بعيد حفاظا على مظاهر الحياة في لحظة الموت.. كان كل رجل من عائلة القتيل يحمل جلبابا جديدا يعلقه في غرفة نومه..لتأكيد أنه لا يزال بينهم.. ولم يرحل عنهم.. وكانت النسوة تحمل الطعام لدفنه معه.. وكأنه سيأكل منه. وكأننا عدنا إلى عصور فرعونية.. وتقاليد فرعونية.. تؤمن بالبعث. والخلود.. فقد كان المصريون القدماء يضعون كل ما يحتاجه الميت لمواجهة العالم الآخر.. الطعام.. الشراب.. الحلي. وتعاويذ الحساب. وبعد صلاة العشاء يصطف كل الرجال وراء كبير العائلة وما أن تنتهي الصلاة حتى يتقدم من عليه الدور في أخذ الثأر ليقبل يد الكبير دون أن يتفوه بكلمة واحدة.. وهو من جانبه يعرف بدقة على من سيطلق النار. وليس شرطا أن يكون القاتل هو المطلوب للقتل. القتل سيكون من نصيب شخص يزن كفة القتيل بدقة.. يزنه في القيمة والحيوية.. ليكون في القصاص عدالة.. وليكون التعادل في الموت فرصة حقيقية للحفاظ على الحياة.. ولتوقف مسلسل الدم.. كما حدث عندما وصلت ذروة الثأر إلى حد قتل محافظ في الجيزة على عتبة القاهرة.. العاصمة.. في تلك اللحظة كانت ضريبة القتل غالية.. ومن ثم كان لابد أن تتوقف عملية زهق الأرواح بلا طائل. وتعرف عملية إيقاف مسلسل الدم بلغة الصعايدة بالقوده. وتفرض القوده على المعتدي قبول الفضيحة مقابل عتق رقبته والعفو عنه. تبدأ القوده بمفاوضات تقودها شخصيات دينية وربما سياسية بين عائلتي القاتل والقتيل.. ولو نجحت المفاوضات فإن على القاتل أن يحمل كفنه على يديه مسافة نصف كيلو متر على الأقل وسط كل أهل القرية والقرى المجاورة الذين يصطفون على جانبي الموكب.. وفي نقطة محددة يخلع القاتل حذائه.. ثم عمامته.. وينزل خروفا يحمله على كتفه. والخروف ملفوف بقطعة قماش بيضاء.وفي نقطة النهاية حيث عائلة القتيل يمسك الرجال الذين قادوا مفاوضات الصلح بالقاتل ويسلمونه إلى كبير عائلة القتيل ويمسك كبير العائلة القاتل بيد ويمسك ميكروفونا باليد الأخرى يعلن فيه ثلاث مرات: الله أكبر عفوت عنك» وتردد عائلته تلك الجملة وراءه. وما أن يعود الناس إلى الصمت والهدوء مرة أخرى حتى يقدم كبير عائلة القتيل للقاتل عمامة وحذاء من عنده.وكأنه يعيد إليه الحياة مرة أخرى.. وما أن يلتقط القاتل الفرصة حتى يبدأ باستضافة الناس بتوزيع السجائر والحلوى عليهم. ثم يمد الطعام. ويوقع مأمور المركز والعمدة وشيخ البلد على ورقة الصلح. وأحيانا يكون على القاتل أن يقدم الخروف الذي يحمله ليذبح بدلا منه بسكين في يد كبير عائلة القتيل. ولكن.. حدث أن جاء قاتل يحمل الخروف فداء له فإذا بشاب من عائلة القاتل يتهور ويطلق الرصاص عليه في خرق واضح للأصول والاعراف. وكان أن سارع كبير عائلته بإطلاق النار عليه. وهذا الخرق لم يقتصر على عملية القوده وإنما امتد أيضا إلى طقوس الثأر نفسها. وهو ما حدث في المجزرة الأخيرة التي جرت في قرية «بيت علام» والتي كانت حديث الناس في مصر وفي دول الخليج.. حيث يعيش ويعمل أفراد من عائلة القاتل والضحايا وعددهم 23 شخصا بخلاف 4 جرحى.. فما الذي جعل القواعد تنكسر؟.. ما الذي جعل الاصول تبدو مثل سطح من الخل سهل التبخر؟.. ما الذي جعل التقاليد نوعا من الاغنام يسهل ذبحها وسلخها والتهامها؟.. ما الذي جعل العين بعشرات العيون؟ والسن بطقم أسنان؟.. والواحد بثلاثة وعشرين؟.. وما الذي جعل عملية القتل الجماعية تأخذ شكل عملية إرهابية.. فيها تخطيط وتدبير وغطرسة وقسوة وإخلال بكل القوانين العتيقة الصارمة؟ إن الخلل الاجتماعي والاقتصادي فرض نفسه على الصعيد كما فرض نفسه على كل شيء في حياتنا. تغيرت معايير الثروة. والسلطة. لم نعد نعرف الذين يملكون ويسيطرون ويتحكمون ويفرضون ما يشاءون.. جاء أثرياء بلا تاريخ. بلا جذور.. بلا أصول. استثمروا الإنقلابات الاقتصادية والسياسية الحادة التي جرت منذ سبعينات القرن العشرين.. السمسرة.. الفهلوة.. البلطجة. تاجروا في الازمات.. فحققوا معجزات.. لكن.. معجزاتهم المالية لم تمنحهم الراحة النفسية ولا المكانة الاجتماعية.. فراحوا يفعلون المستحيل ليحظوا بما يفتقدون..وبما يحتاجون. في المدينة الواسعة لا يسأل أحد غيره عن تاريخه.. عن جذوره.. يسألونه عن طراز سيارته.. وثياب زوجته. وحجم ثروته.. في المدينة الواسعة توارى الذئاب والذباب خلف كتل كثيفة من الضباب وبريق الاثواب. وأصبح المال قادرا على صناعة النجوم الجدد.. كل منهم يعيد صياغة قصة حياته على هواه.. اللص نسب نفسه إلى الأولياء.. النصاب تحول إلى مكافح ومناضل في سبيل الوطن.. القواد تحدث عن أصالة الاجداد.. وعراقة الأنساب. والمولود على عربة خضار.. وجاء إلى العاصمة على ظهر قطار.. تصرف على طريقة القوي.. لكن.. المدينة الواسعة تستوعب وتبلع وتحب من يكذب عليها وتتسامح في حقها ولا تنظر إلى الوراء.. ولا تطلب صحيفة سوابق.. فيش وتشبيه. ولا شجرة عائلة.. ولا صلة نسب بالمافيا.. فالمهم هو الجغرافيا. أما القرية فضيقة.. حواريها متلاصقة.. الهمس فيها يصبح صخبا. والذاكرة لا تموت تحت عجلات الثروة. والشموخ لا يشتريه النفوذ.. وعندما وقع الخلل الاقتصادي والاجتماعي انقسمت القرية إلى عائلات تملك الأصالة ولا تملك النخالة.. وعائلات تملك الثروة ولا تملك الهيبة..واكتشفت العائلات محدثة النعمة أن مالها لا يكفي لشراء جذور ضاربة في الاحترام.. فراحت تخطب يد السلطة. لكن السلطة قد تضاعف القوة. ولا توفر الأصالة.. فكان أن سعت هذه العائلات ذات الجذور المائية والشيطانية إلى الاقتران بالعائلات الارستقراطية. أخذت منها الحسب والنسب ومنحتها المال والسلطان. وراح الطرفان ينتظران جيلا جديدا يحمل خصائصهما معا. على أن بعض العائلات التي تبحث لنفسها عن مكانة اجتماعية في الصعيد فعلت ذلك بواسطة الثأر. استغلت فكرة المساواة في القتل لتحقق مساواة في الحياة. فبدأت من جانبها مسلسل ثأر مع عائلة شهيرة في ناحيتها لترد عليها هذه العائلة بالرصاص فيحقق لها الرد نوعا من المساواة طبقا لقانون العين بالعين والسن بالسن.. إنك لو قمت بالرد على سباب شخص أقل قيمة فقد تساويت معه. ولو تبادلت اللكمات أو الكلمات معه ربما تفوق عليك. ولو قتلت شخصا من عائلته ردا على قتله شخصا من عائلتك تساوت الرؤوس والجباه.. ليس مهما أن تتأنى في اختيار أصحابك لكن المهم أن تتأنى في اختيار خصومك وأعدائك. لكن.. ما جرى في الصعيد هو أن الدماء الفائرة في العروق عجزت عن اختيار الخصوم بدقة.. فاختلطت خرائط الثأر.. وتداخلت مسلسلات الدم.. وفقدت الأصول والقواعد العريقة احترامها. ولم يعد ثأر المثقف مثقفا.. ولا ثأر الرجل رجلا محترما. ولأن القاعدة قد اختلت فلا حدود للتجاوزات.. 23 قتيلا أمام قتيل واحد.. أطفال يذبحون بلا تردد.. نساء يفقدن حصانة الدم.. كل شيء ممكن ومباح.. وهو ما جرى مؤخرا في جنوب مصر الذي صاغ ثلاثة أرباع حضارتنا وسجل نصف تاريخنا على الأقل. ولو كنا قد توقفنا عند حادث قطار الصعيد.. ولو كنا قد توقفنا عند أحداث قرية الكشح الأولى والثانية فإننا للأسف لم نتوقف عند مجزرة الثأر الأخيرة.. إنها ليست جريمة عابرة تعود بعدها الحياة إلى ما كانت عليه. ولكنها نقطة تحول مكتوبة بالدم لمستقبل سندفع ثمنه غاليا.. بما في ذلك ثمن اقتصادي هو تحويلات المصريين في الخليج وهي مصدر مهم من مصادر العملة الصعبة في الاقتصاد القومي. إن الصعايدة الذين يعملون في الخليج كانوا يتفقون فيما بينهم على تجميد أي خلافات ومتاعب بينهم في الغربة. وكانوا يمشون على قاعدة «أنا وأخويا وابن عمي على الغريب».. لكن.. بعد هذا الحادث أخشى أن تكون هذه القاعدة قد كسرت. وتهمشت.. فلو كان بعض الجناة قد نجح في الهرب إلى الخليج فإن ذلك قد يؤدي إلى كارثة تهدد العمالة المصرية هناك.. وقد شعرت بذلك من متابعة الصحافة الكويتية التي لم تخف قلقها أن تصفي العائلات المتقاتلة حساباتها الدموية هناك بالرصاص.. وهو ما يفرض تدخلا سياسيا ودبلوماسيا وحزبيا لايقاف هذا المسلسل المرعب والمروع. ثم إنها فرصة لفتح ملف الصعيد. تلك البقعة الغالية الطاردة لأهلها.. المصرة على ألا تتفاهم إلا بالعنف.. هل هناك من يقنع الاطراف الملتهبة بأن تردد ثلاث مرات: «الله أكبر عفوت عنك». أخشى أن تكون الإجابة بالنفي. ـ كاتب مصري