لا يمر يوم دون أن يجدد الرئيس الأميركي عزمه على ضرب العراق، فتصريحاته كلها تحمل هذه النوايا العدوانية، وسط تحريض صريح من اسرائيل والقوى الصهيونية، في مقابل محاولات فرنسية وألمانية وأوروبية لتهدئة الجنون الأميركي. ورغم هذا الجدل الدولي يتصرف العرب مثل «الأطرش في الزفة» فهم صامتون كالأموات يسمعون ولا يتكلمون وكأن الامر لا يعنيهم، وكأن العراق ليس دولة عربية، وشعبه عربي بالتاريخ والجغرافيا. وأن هذا الشعب مطلوب وفق الاستراتيجية الأميركية، فعقلية الانتقام أو الثأر هي التي تحكم سياسات الادارة الأميركية الحالية، ولأن العجز العربي وصل مداه على هذا النحو فليس أمام العرب ـ أميركياً ـ سوى الاستسلام والاذعان لقاعدة «مطلوب حياً وميتاً» التي يرددها الأميركان تجاه كل مطلوب للثأر والانتقام، ولأننا لا نعرف قواعد وتقاليد الثأر لدى الأميركيين فيمكننا التصرف وفق التقاليد العربية، وفي الأخوة الصعايدة أسوة وعبرة. وليس في ذلك أي «عيب» ما دمنا ـ جميعا ـ كعرب عاجزين عن التصدي للغطرسة الأميركية فلا «عار» في اعلان ذلك والتحرك على هذا الأساس مع رفع الراية البيضاء واعلان الانصياع لقواعد اللعبة كما يريدها الأميركيون. لقد جرت العادة لدى الصعايدة في مصر انه عندما يريد العقلاء حسم الخلاف في جرائم الثأر وايقاف سفك الدماء أن يقنعوا الشخص المطلوب للثأر بالتوجه حاملاً كفنه في يده إلى منزل طالب الثأر، ثم يستلقي على الأرض ليمسك طالب الثأر سكينا يذبح بها خروفاً جاء به حامل الكفن فداءً لنفسه، مما يعد ايذانا بانتهاء سفك الدماء بين الطرفين، الا من يرفض ذلك، ويفضل ذبح المطلوب للثأر. وعملاً بذات التقاليد لو أن العرب العاجزين عن حماية أهل العراق قرروا اقتياد الاربعة والعشرين مليون عراقي وبيد كل منهم كفن، وفي اليد الأخرى برميل بترول وافترشوا ساحة البيت الأبيض لربما استطاعوا ارواء تعطش اميركا للدم العربي عبر الارتواء بالبترول العربي، فقد يفضل الرئيس بوش وادارته ان يرووا ظمأهم بالبترول العربي عوضاً عن سفك دم الملايين من ابناء الشعب العراقي. ولكن مثل هذا الاقتراح يستحيل ـ بالطبع ـ تنفيذه، فلا أحد من أهل العراق أو من الشعب العربي يرضى بهذا الاذلال، ولأن الاميركيين أنفسهم لن يكفيهم ذلك، فلن يشبعهم بترول العراق وحده، فهم يفضلون التصرف على طريقة صاحب الدم عندما يذبح المطلوب للثأر بدلاً من الصلح والا كيف نفسر الاصرار الاميركي على استمرار العقوبات الاقتصادية ضد الشعب العراقي منذ عام 1990 وحتى الآن، رغم ان الكويت تحررت منذ 11 عاماً. وكيف نفسر التهديدات المتتالية من واشنطن وتل ابيب الى حد تهديد الثانية بضرب العراق بالأسلحة النووية؟ ان المستهدف أميركيا واسرائيلياً ليس العراق وحده، فما يجري ضد العراق ليس سوى مقدمة لمزيد من سفك الدماء العربية، فالمطلوب هو دم العرب قبل بترولهم، لأن العربي الطيب في شريعة هؤلاء هو العربي الميت الذي ينتعش بدمه وبتروله الاقتصاد الاميركي، فلكي يعيش الاميركيون في رفاهية يجب أن يموت العرب وتنهب ثرواتهم. فبعد أن تمكن الاميركيون من معظم البترول العربي بعد حرب الخليج الثانية، فبركوا قضية لوكيربي للسيطرة على البترول الليبي، وتأتي مخططات ضرب العراق في هذا السياق، وكذلك الضغوط التي تمارس على السودان لما تحتويه أرضه من مخزون بترولي هائل. ومن الخطأ ان يظن عربي واحد أنه في مأمن من شرور السفاح الأميركي، فخلال الفترة المقبلة من لا يهدر دمه من أجل البترول، فسوف يهدر بتهمة «الارهاب».