كان هناك على موعد.. لا تتأخر! كل عام تطلبه مثل هذه الايام، ينتظره الاطباء يبحثون في شئون قلبه. قلبه الذي أصابه الزمن منذ سنوات وحكم عليه من يومها أن يراعيه كثيراً، وأن يلجم جماحه لا يتركه على هوى الشاعر في كل الاحوال. جاء، لم يتأخر، واستنشق «هوى جنيف» قبل أن تزكمه رائحة المستشفى. وغيرّ وجهته أراد أن يكون هناك على البحيرة قرب أهله وناسه، اولئك الذين يحبهم ويلتقيهم كل عام، تزداد وجوههم وتنقص، لكنهم لا ينقطعون عن رحلة الصيف، عن رائحة البرد وحسن البساط الأخضر الممتد يجددون فيها ذكريات ما مضى من العمر. ويعطيه القدر هذه المرة اكثر من ذلك: زاده بهاء وفرحا، أعاده إلى الشعر، ان اجمل ايام حياته عندما يكتب قصيدة، ويزداد فخراً وقوة عندما يلقي قصائده وتشعره قلوب من حوله إنها أصبحت مسحورة وان الشعر طغى عليها. تلك عنده حالة الرضا، أن يرضى القصيد وان يسري عذب الكلمات في النفوس. احبُ المجالس اليه، والتي أبدع فيها واشتهر منها وأخلص لها من كل قلبه هو عندما يكون في حضرة زايد، فأجمل واكثر قصائده من فصيحة ونبطية قالها في (الزعيم). في المجلس العامر وقف ممسكاً عصاه تلك التي لا تفارق يمناه في الوطن وفي الغربة، في كل الظروف معه كظله، وبدأ يلقي واحدة من قصائده. تألق ودار شعره يسري في ضيوف المجلس، طالت القصيدة وطال وقوفه فرحا طرباً، كانت العصا واقفة ثابتة بينما يده تتحرك، ترتفع كذلك طبقات صوته، شغله الشعر لم يشعر ان هناك وخزات بدأت ترتفع أيضا في دواخله. أتم قصيدته، بعدها انسلت عصاه وسقط خلفها! كانت هناك آخر الخطوات، وآخر الكلمات، وآخر الاحلام. أصعب من لحظة الموت هي غرائبية الاقدار عندما تحكم حبكتها للحظة النهاية، لا ينفع معها الحذر ولا تترك لك سنحة انتظار، تحرمك من حق الاختيار. لا تعلم الزمان ولا تعطي فرصة تحديد المكان، اي يوم تريد أن تكون فيه النهاية ولون النهار الذي تغادر فيه هل تحبه دافئاً أو شديد السخونة أو مشحوناً بالعواصف كما هي أيام العمر دائما أو في ساعة ظلام دامس والخلق نيام. إنها هكذا لا جدال ولا خيار عندها، ساعة مكتوبة في اللوح المكتوب لا يعلم سرها إلا ربك. ومُر الموت انه لا ينزع نفس قابضها، إنما يترك عثراته عند كل من يعنيهم الفقيد، هذه القلوب القريبة المحملة ببقايا الموت، يصدمها أمر السماء، يدميها، يعصرها دموعاً وحزناً، يزرع فيها الوجع ويأخذ منها الأمل، يترك لها رجع الصدى، أن تتذكر فقط ولا تحلم أن يعود ذلك الذي رحل سوى في الخيال، فوحده الخيال يعيد لها صورة الغائب، وفي لحظة خيال الحنين تتمنى لو طال اللقاء: مجرد ساعة، لو كنت، لو كان.. وتتكاثر عندها تلك الـ (لو) لكنه لا أمل فيها ولا فائدة منها عند أمر الموت.. والموت اختار حمد خليفة أبو شهاب هذه المرة، ولا أحد اليوم في هذه الأرض تحديداً لا يعرف هذا العلم، حتى الذين جاءوا في زمن متأخر، يعرفون هذا الاسم جيداً، لن يمحى اسمه انه محفور، إنه في التاريخ والذاكرة والقلوب، إنه في «تراثنا من الشعر الشعبي» وهو أغلى كتاب وأغنى مرجع وأضخم عمل قدمه إنسان في هذا الوطن «الامارات». كل هذه الأرض الصغيرة ومن عليها يعرفه، سمع باسمه أو قرأ له أو شاهده عن قرب، هؤلاء الذين يهمهم الشعر والادب أو يعلمون مشقة وأهمية توثيق التراث وتدوين قصة هذا الوطن وكفاح انسانه، يعنيهم ويحزنهم كثيراً ان تغيب قامة في مثل قوة وثراء وعطاء حمد أبو شهاب. إنه من جيل تناسلت حباته وذاب في الأرض، إنهم ثروة عظيمة لا تعوض. وخسارة الذين عرفوا «بو خليفة» عن قرب أعظم كثيراً، فهو عندهم في منزلة أعلى من مكانة الشاعر والمؤرخ والعلم البارز، هو عندهم حمد الانسان. هذه اعظم خصاله، فهو من بقايا جيل جميل، ومن زمن آخر بالتأكيد انه من غير أهل هذا الزمان. عرف فيه هؤلاء الذين عرفوه عن قرب، اعظم خصلة قد تسكن الانسان وهي صفة الوفاء. ان تكون وفياً محباً دائماً، ودائما هذه هي أصعب ما في الوفاء. ترك أبو شهاب أغراض الحياة الاخرى لم يهتم بها كثيراً ولم تشغله عن واجب الاصحاب، كان دائم الوصول لهم فكل أيامه كانت متشابهة، رحلة لا تنتهي وطقوساً يومية لا يتخلى عنها إلا في حالات الشدة. يخرج منذ الصباح لا يبحث إلا عن الاصحاب، ومن كثرة، دقته والتزامه حفظت مواعيده واصحابه: كل يوم عند محمد بن ابراهيم عبيدالله، وفي مركز جمعة الماجد وعند بلال البدور، وفي تلفزيون دبي يزور أحمد القعود، وما بعد الحادية عشرة من يومه وحتى الثانية ظهراً فهي محجوزة لـ «البيان». أما الاحد أو الثلاثاء فهو هناك في العاصمة، في المجمع الثقافي وغالباً ما يكون عند جمعة القبيسي. وفي المساء في مجلسه مع ابراهيم بوملحة أو يتمشى مع صاحب قديم كثيرا ما ردد اسمه هو الشاعر محمد بن طوق. ومعظم ايام الجمع يكون في العين عند معالي أحمد خليفة السويدي. عشرون عاماً أو تزيد وعلاقة الود والصداقة بينهما تكبر وتزداد، وكانت آخر وصايا «بو محمد» لصاحبه كما سمعتها من الصاحب قبل أيام من رحلته الأخيرة، انه ردد له أكثر من مرة، «ارجوك.. لاتغضب، لا تزعل» حاسة الدبلوماسي الكبير كانت تستشعر حالة الخطر عند الصديق القديم، فكانت آخر كلمات الرجاء وآخر الوصايا بينهما. في عالمه الشعري كان المتنبي هو أكبر وأشد الشعراء الذين تأثر بهم ولم يكن شغفه به إعجاباً في شعره إنما كذلك في شخصيته وسيرة حياته.. اما في الحاضر فان اكثر الذين سكنوا قلبه وأحبهم وتأثر بهم هو الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وكان لفتاة العرب مكانة عزيزة عنده وكان يردد انها واحدة من اشعر شعراء النبط. وتبقى هناك ذخائر عديدة جهزها رحمه الله وحال الموت دون ان تكتمل ويخرجها للناس مثل ديوان «الشاعر الخضر» وكتاب «اشعار اللؤلؤ» و«الأنساب» و«اشياء من الماضي» وديوان أشعاره المبعثرة و«سيرة حياته» التي فيها سرد لقصة الوطن ورجالاته ومسيرة بنائه وتطوره. هذه السيرة التي الححت عليه فيها وأزعجته كثيراً بضرورة ان يكتبها ويحفظها اذا لم يرغب في نشرها، وقد فعل وانتهى منها واستمعت لها كاملة وهو يقرأ صفحاتها، وكان رأيه فيها انها لا تصلح سوى للحفظ، لانها كتبت بصدق وصراحة وان معايير هذا العصر لا تتحمل مثل هذه الشفافية. وانه لا يمكنه ان يبدل فيها، فهكذا كانت حياته، وهكذا هي الحقيقة كما عاشها. فما اصعب الايام المقبلة التي ستكون خالية من رؤيته، ومن صوته، من كلماته، من زياراته اليومية.. رحم الله حمد بن خليفة أبو شهاب.