تأتي الذكرى السابعة والخمسون لضرب مدينة هيروشيما اليابانية في 6 أغسطس 1945 بأول قنبلة نووية شهدتها البشرية منذ نشأتها، لتحيي في النفوس ليس فقط ذكريات أليمة حول حجم الكارثة الانسانية التي خلفتها قنبلة هيروشيما، ولكن تشغل العالم أيضا باستمرار وجود نفس عقلية الرئيس الأميركي الأسبق هاري ترومان الذي اتخذ قرار استخدام هذه القنبلة ضد اليابان، حيث لم تكن هناك حاجة لذلك. وهو ما يتمثل اليوم في متخذ القرار في واشنطن، والذي أصبح يصنف دول العالم طبقا لهواه الى دول مارقة شريرة ينبغي أن توجه ضدها الضربات الوقائية، حتى وإن استدعى ذلك أن تشمل هذه الضربات أسلحة نووية، ودولا أخرى أقل مروقا وشرا، حيث لم يعد في مفهوم السياسة الخارجية الأميركية دول صديقة ودول أخرى معادية، حيث الجميع دول معادية ولكن بدرجات مختلفة طبقا لتصنيفات عراب السياسة الأميركي هنري كيسنجر وزير الخارجية الأسبق. وإذا كنا اليوم بسبيلنا لاستعادة تاريخ تلك المأساة لندرك دروسها حتى نجنب شرور تكرارها، لاسيما وأن حجم أسلحة الدمار الشامل ـ النووية وغير النووية ـ التي تملكها الدول الكبرى والصغرى، أصبح يفوق في تأثيره ما خلفته قنبلتا هيروشيما وناجازاكي من موت وخراب ودمار ملايين المرات، فإن هناك العديد من الأسئلة التي تطرح نفسها تتعلق بالماضي والحاضر والمستقبل ويستدعي الأمر الاجابة عنها بأمانة حرصا على حياة شعوبنا ومستقبل أجيالنا القادمة من بعد. هل كانت هناك حاجة ماسة لاستخدام القنبلة النووية؟ تشير الدوافع الأميركية لاستخدام قنبلة هيروشيما في 6/8/1945، وقنبلة ناجازاكي في 9/8/1945 الى الرغبة في تقليل الخسائر البشرية على الجانبين، والسرعة في إنهاء الحرب العالمية الثانية، حيث قدرت الادارة الاميركية آنذاك أن استمرار الحرب على النمط التقليدي الذي كان قائما، وصمود اليابان وتصميمها على خوض الحرب حتى آخر جندي ياباني، كان سيكبد الجانبين الأميركي والياباني قرابة 2 مليون قتيل اضافى، وسيمد في زمن الحرب خمس سنوات أخرى. وهذه الدوافع الأميركية في حقيقة الأمر ليس أكثر من ذرائع لا أساس لها من الصحة تبرر بها الولايات المتحدة اقدامها على هذه الجريمة الانسانية البشعة، حيث لم تكن هناك ضرورة استراتيجية في مسرح العمليات تستدعي ذلك، لأن اليابان كانت منذ بداية 1945 على وشك الاستسلام، وقد بذل الامبراطور هيروهيتو في هذا الشأن جهودا رئيسية لتأمين استسلام مشرف، ومن أبرز هذه الجهود إقالة وزارة كويزو في ابريل 1945، وتكليف سوزوكي بتشكيل وزارة جديدة تمهد للصلح مع الغرب، كما أرسل الامبراطور الأمير كونوي الى موسكو ليدفع ستالين للوساطة لدى واشنطن لايقاف الحرب. أما على الصعيد العسكري فقد كان للقوات الأميركية السيادة الكاملة برا وبحرا وجوا على كل مسرح العمليات شرق الباسفيكي، حيث احتلت القوات الأميركية جزر أوكيناوا، ماريانا، وأيوجيما.. وكان الأسطول الأميركي يرتاد السواحل اليابانية دون خطر ويقصف الأهداف الساحلية، كما كانت الغواصات الأميركية تعمل بحرية في بحر اليابان دون أي تهديد، حيث كانت سفن اليابان وحتى القوارب منها تتعرض للغرق وتصاعد القصف الجوي الأميركي لمدن اليابان في الأيام السابقة لالقاء القنبلة حتى وصل 16 ألف طن قنابل، وهو ما يعني تحطيم قدرات الدفاع الجوي اليابانية في الجو وعلى الأرض. هذا بالاضافة للتدمير الذي لحق بمعظم الفرق المدرعة والميكانيكية اليابانية، ووصلت نسبته الى أكثر من 70%، أما على الصعيد المدني، فقد تضاءل احتياطي الوقود والمواد الغذائية الى مستوى خطير، بسبب الحصار المحكم على الجزر اليابانية، كما كانت المواد الأولية شحيحة بدرجة أوقفت 60% من المصانع الباقية ولم تدمر. بمعنى آخر كانت اليابان في وضع حربي ميئوس منه، حتى ولو لم يدخل الاتحاد السوفييتي الحرب في منشوريا يوم 8/8/1945 بناء على طلب سابق من الولايات المتحدة في مؤتمر باتا عام 1944 واستكملت القوات السوفييتية احتلال منشوريا وجزر ساخالين في 24/8/1945، يؤكد هذا المعنى أن عددا من كبار الجنرالات الأميركيين ـ على رأسهم الجنرال ايزنهاور والجنرال مارشال ـ عارضوا استخدام القنبلة النووية، كذلك الجنرال ماك أرثر الذي كان يقود القوات الأميركية في هذه الحرب، ولم يعرف بقرار استخدامها إلا قبل القائها بيوم واحد، فقد شارك المعارضين لاستخدام القنبلة النووية هذا الى جانب أن عددا كبيرا من العلماء الذين شاركوا في تصميم وبناء هذه القنبلة رفضوا استخدامها، فمن المعروف أن نتيجة الاستفتاء الذي أجري بينهم أشار الى ان 15% فقط منهم هم الذين وافقوا على استخدامها. مواجهة الحقائق هنا يبرز السؤال الثاني حول الدوافع الحقيقية وراء قرار ترومان باستخدام القنبلة النووية. حقيقة الأمر أن نجاح التجربة النووية الأولى في صحراء (بالاموجوردو) بولاية نيومكسيكو في 16/7/1945 كانت عاملا مساعدا في تشجيع ترومان على اتخاذ القرار، خاصة وأن تقارير المخابرات الأميركية التي كانت تعرض عليه ضخمت من حجم القوات المسلحة اليابانية وتصميمها على الحرب، كما ضخمت من حجم الخسائر الأميركية المتوقعة اذا ما استمرت الحرب بأسلوبها التقليدي الذي كان قائما قبل استخدام القنبلة. وقد استهدف القرار التأثير بشكل رئيسي على السياسة السوفييتية، وحتى لا يجني السوفييت مكاسب على أرض اليابان، وتكون بالتالي خالصة للنفوذ والسيطرة الأميركية في مرحلة ما بعد الحرب، خاصة وأن أطماع السوفييت كانت قد بدأت تتضح في أوروبا بعد هزيمة المانيا، فبعد أن استولت الجيوش السوفييتية على المناطق الشرقية من المانيا، أخذت في اجتياج بلدان أوروبا الشرقية، بولندا، رومانيا، بلغاريا، المجر، تشكوسلوفاكيا. وكانت الولايات المتحدة تخشى بسبب ما كانت تواجهه دول أوروبا من مجاعة في شتاء 1945 ـ 1946 أن تقع هذه الدول في قبضة الشيوعية، ولولا الامدادات الأميركية السريعة بالحبوب والمواد الغذائية الأخرى لهلكت بالفعل شعوب أوروبية كثيرة. ولقد كان واضحا للأميركيين أن الاتحاد السوفييتي لم يعد بعد سقوط المانيا حليفا للغرب، بل سيكون منافسا وعدوا لدودا. لذلك جاءت قنبلة هيروشيما لتكون بدء ميلاد الحرب الباردة بين القوتين العظميين اللتين برزتا عقب الحرب العالمية الثانية، ولتعلن انفراد الولايات المتحدة بامتلاك أكبر قوة تدميرية في العالم، ولتكون قنبلة هيروشيما بمثابة استعراض للعضلات الأميركية لدعم موقفها التفاوضي مع الاتحاد السوفييتي عند تقسيم غنائم ما بعد الحرب، وللضغط عليه ليوقف استراتيجيته التوسعية في شرق أوروبا، ولتتوج استخدام القوة العسكرية السافرة كمؤثر رئيسي في العلاقات الدولية لخدمة الغايات والأهداف الفوقية للولايات المتحدة، وردع خصومها عن التصدي لها. لذلك كان ترومان صادقا مع نفسه عندما صرح عقب القاء القنبلة: «إن القنبلة لم تضع نهاية للحرب فقط، ولكنها أعطت الع9فرصة مواجهة الحقائق». هذا بالطبع الى جانب أهداف ودوافع أخرى تتمثل في تبرير انفاق 2 مليار دولار على المشروع النووي، وتوظيف أكثر من 120 ألف فرد فيه. الى جانب هدف آخر يتمثل في اشعال سباق التسلح، وما ينتج عنه من تشغيل مصانع الأسلحة وتحقيق مزيد من الأرباح لشركات السلاح الأميركية. وكثيرا ما كانت تفتعل الحروب المحدودة من أجل هذه الشركات. ويكفي أن نعرف أن الولايات المتحدة دخلت حرب كوريا عام 1950 انقاذا لشركة فورد ـ وغيرها من شركات السيارات الأميركية ـ من الافلاس، فخلال الحرب تحولت هذه المصانع لانتاج مركبات القتال بأنواعها المختلفة.. وكان فتح جبهات محدودة لانقاذ الاقتصاد الأميركي من الأزمة الدورية التي يصاب بها كل اقتصاد رأسمالي مشجعا للسياسة الأميركية على المضي في هذا الطريق، الذي بدأ من هيروشيما ووصل حتى حرب فيتنام، ثم في الخليج وأفغانستان بعد ذلك. ومقابل انقاذ الشركات الاميركية من احتمالات الخسارة، هناك زيادة أرباح شركات الأسلحة الأميركية والاحصاءات التالية تدل على ذلك: فقبل حرب فيتنام عام 1965 قتل 4300 أميركي، وربحت الشركات 413 مليار دولار. وفي عام 1966 قتل 5008 أميركي وربحت الشركات 487 مليار دولار، وفي عام 1967 قتل 9378 أميركي وربحت الشركات 544 مليار دولار، وفي عام 1968 قتل 14500 أميركي وربحت الشركات 428 مليار دولار، وفي عام 1969 قتل 9349 أميركيا، وربحت الشركات 407 مليار دولار. ويؤكد حقيقة التحالف بين المؤسسة العسكرية الأميركية والاحتكارات المالية، أن آل روكفلر ـ من أكبر الرأسماليين اليهود في العالم ـ قدموا في عام 1958 دراسة قام بها هنري كيسنجر ـ من أبرز وزراء خارجية أميركا اليهود ـ محورها أن انقاذ الاقتصاد الأميركي يكون عن طريق زيادة الانتاج الحربي، وانتهت الدراسة الى ضرورة أن يرتفع الانفاق في الانتاج الحربي الى الضعف خلال عشر سنوات، وكان بالفعل أن ارتفعت الميزانية العسكرية من 46 مليار دولار عام 1958 الى 70 مليار دولار عام 1967. هل كانت هناك خيارات أخرى بديلاً عن القنبلة النووية ؟ كانت هناك عدة بدائل أخرى أمام صانع القرار الأميركي اذا ما أراد إنهاء الحرب، وتجنب المجزرة البشرية التي سببتها القنبلتان النوويتان التي القيتا على هيروشيما وناجازاكي، وحصدت أرواح 200 ألف شخص، فقد كان بإمكان ترومان أن يحوي انذار مؤتمر بوتسدام ـ الذي ضم ترومان وستالين وتشرشل وكاي شيك ـ اشارة لوجود السلاح النووي، والتهديد باستخدامه في حالة عدم استسلام اليابان، وأن يعطي الانذار فترة زمنية كافية للقيادة اليابانية لاتخاذ قرار الاستسلام. ولكن على العكس من ذلك حرص ترومان على عدم احتواء بيان بوتسدام الذي صدر في2/8/1945 لأي اشارة للقنبلة النووية، كما لم يعط القيادة اليابانية فرصة زمنية كافية للتفكير، حيث تم قصف هيروشيما في 6/8/1945 بعد اصدار البيان بأربعة أيام فقط ولو كان بيان بوتسدام أشار الى القنبلة والتهديد باستخدامها، لحقق ذلك ردعا كافيا لليابان وحفزها على سرعة الاستسلام. كما كان بامكان القيادة الأميركية أن تجري تجربة نووية أخرى علنية يحضرها ممثلون عن دول العالم، وتهدد الولايات المتحدة باستخدامها عسكريا ضد اليابان في حالة عدم استسلامها. أو أن تقوم بقصفها داخل اليابان ولكن في منطقة صحراوية بعيدا عن المدن المكتظة بالسكان، أو حتى ضد هدف عسكري منعزل كقاعدة جوية أو بحرية، ناهيك عن أنه بعد قصف هيروشيما لم يكن هناك داع أصلا لقصف ناجازاكي، ولكن حقيقة الأمر أن هدف ترومان كان كسر الإرادة اليابانية، وإذلال شعبها بقصف أبرز مراكز القيادة الاستراتيجية والتجمعات الصناعية الكبرى. سباق التسلح تسببت قنبلة هيروشيما في إثارة حمى نووية بين الدول الكبرى التي سارعت في امتلاك هذا السلاح لتحقيق التوازن الاستراتيجي، وتطلبات الردع المضاد في مواجهة الأهداف الأميركية، وحتى لا تكون أسيرة أطماعها في بسط هيمنتها على العالم ومقدراته. فكان اعلان الاتحاد السوفييتي لامتلاك السلاح النووي في سبتمبر 1949، وبريطانيا في أكتوبر 1952، ثم فرنسا 1960، ثم الصين في عام 1964، وبعد ذلك جاءت دول أخرى حرصت بدورها على دخول النادي النووي منها الهند في عام 1974، وتلتها باكستان في 1998، ولا ننسى اسرائيل التي استفادت تماما من البرنامج النووي الأميركي، فكانت أول تجربة نووية اسرائيلية سرية في النقب في 3/10/1966، وبعدها تجربتان في جنوب افريقيا بجزيرة ماريون، الأولى في سبتمبر 1979، والثانية في ديسمبر 1980، وفي الطريق دول أخرى. ويوجد حاليا ما يربو على50 ألف قنبلة ورأس نووية تبلغ اجمالي قوتها التدميرية 20 ألف ميجاطن، أي ما يزيد على مليون ضعف قوة تفجير هيروشيما. كما تطورت الأسلحة النووية ووسائل اطلاقها، فظهرت أسلحة نووية ذات قدرات تدميرية مختلفة. فإذا كانت القوة التدميرية لقنبلة هيروشيما 20 ألف طن، ولذلك اعتبرت قنبلة (عيارية) فقد تم تطوير أعيرة أقل من ذلك حتى نصف كيلو ـ طن، حتى يمكن استخدامها بواسطة الأسلحة التقليدية كالصواريخ والمدافع في المستوى التكتيكي، في ذات الوقت الذي طورت فيه أعيرة استراتيجية كبيرة وصلت الى 1000 طن. كما طورت القنابل الهيدروجينية التي تعتمد على أسلوب الاندماج النووي وليس الانشطار النووي كما الحال في قنبلة هيروشيما، وتبلغ قوة القنابل الاندماجية عشرات أضعاف القنابل الانشطارية، وطورت أيضا القنابل النيوترونية التي تقتل البشر ولا تدمر الأسلحة والمباني، هذا بالاضافة لتطوير وسائل ايصال الأسلحة النووية، فبجانب قاذفات القنابل الثقيلة، أمكن استخدام المقاتلات الأسرع من الصوت في قصف الأسلحة النووية، والصواريخ الباليستية التكتيكية والاستراتيجية من صوامع ثابتة تحت الأرض ومن قواذف متحركة ومن غواصات تحت الماء، بل وأيضا من منصات فضائية وعلى المستوى النوعي طورت وسائل توجيه الأسلحة النووية لزيادة دقتها، حيث يتم توجيهها ناسفة الليزر، وبوسائل تليفزيونية وحرارية وبواسطة أقمار صناعية في الفضاء، كما برز في المقابل الوسائل المضادة للصواريخ، مثل الصواريخ المضادة للصواريخ (الدرع الصاروخية الأميركية NMD الذي تبلغ تكلفته حوالي 60 مليار دولار حتى عام 2015) وأسلحة الطاقة الحركية KEW التي تعمل بالطاقة الكهرومغناطيسية، وأسلحة الطاقة الاشعاعية DEW التي تعتمد أشعة ليزر (إكس) وغيرها لتدمير الصواريخ المعادية في الفضاء والجو. هل استوعبنا درس هيروشيما؟ للأسف لم يستوعب العالم دروس هيروشيما، فبينما تسعى الجهود الرشيدة في العالم الى الحد من الانتشار النووي، نجد أن الولايات المتحدة ترسم سياستها واستراتيجيتها على أساس الانفراد برسم مستقبل العالم بما يتفق وأهدافها ومصالحها بغض النظر عن مصالح وأمن الآخرين، بعد أن سقطت الشيوعية وتفسخ الاتحاد السوفييتي، حيث تتعامل واشنطن اليوم مع باقي دول العالم، كما لو كانت دول مهزومة منكسرة فاقدة الارادة، لا حول لها ولا قوة مثل حال اليابان بعد قنبلة هيروشيما. وفيما تمضي الترسانات النووية في تضخمها في دول النادي النووي، تسعى دول أخرى الى دخول هذا النادي رغم ما يسببه ذلك لشعوبها من اجهاد وافقار اقتصادي واجتماعي مثل الهند وباكستان، وبمنطق واحد هو الردع والردع المضاد. وليس هناك أي ضامن لانفلات السيطرة على هذه الأسلحة الفتاكة عندما تتصاعد الأزمات، ويحدث خطأ ما في التقديرات، خاصة اذا ما كان قرار استخدامها بأيدي قيادات غير رشيدة، ذات أهداف توسعية معروفة مثل اسرائيل. لذلك فإن موازين الردع والردع المضاد لن تكون فقط هي الكفيلة بمنع اندلاع حرب نووية، ولكن حرص القوى الخيرة في العالم على نزع كل الأسلحة النووية ومنع انتشارها على كل الساحة العالمية وليس بعضها، هو الكفيل بعدم تكرار مأساة هيروشيما مرة أخرى. ـ خبير استراتيجي مصري