يوم الاثنين الماضي نشرت صحيفة سعودية تصريحا لخبير سعودي في شئون الاستشارات المالية يستحث فيه رجال الاعمال السعوديين على سحب ارصدتهم واستثماراتهم، في الولايات المتحدة، وبينما مازالت اصداء هذا التصريح تتردد جاء في صحيفة «فايننشيال تايمز» اللندنية ان مستثمرين سعوديين سحبوا مئة الى مئتي مليار دولار من اموالهم المودعة في الولايات المتحدة. وسواء صحت رواية هذه الصحيفة اللندنية او لم تصح فان هناك من الدواعي الموضوعية ما ينبغي ان يدفع كبار رجال الاعمال العرب، بل وايضا الحكومات العربية، الى وضع نهاية حاسمة لتعاملهم الاستثماري مع المؤسسات المالية والتجارية والمصرفية في الولايات المتحدة. لقد ربط الخبير السعودي المشار اليه دعوته الى رجال الاعمال السعوديين بالدعوى القضائية التي رفعتها مجموعة من اسر ضحايا تفجيرات سبتمبر في نيويورك ضد عدد من المصارف والمؤسسات الخيرية ومسئولين كبار وافراد في السعودية، تطالبهم جميعا بتعويضات اسطورية تصل الى آلاف المليارات من الدولارات ويستند محامو أسر الضحايا الاميركية في دعواهم الى اتهام هذه المؤسسات والافراد بتمويل تنظيم «القاعدة» بزعامة ابن لادن المتهم بدوره بتدبير وتنفيذ تفجيرات سبتمبر، وقال الخبير انه في حالة قبول القضاء الاميركي النظر في الدعوى المرفوعة فإن اموال المستثمرين السعوديين خاصة والمستثمرين العرب عامة سوف تكون معرضة لخطر المصادرة او التجميد في اميركا. واذا كان خطر المصادرة او التجميد وحده كافيا لدفع المستثمرين العرب الى اتخاذ خطوة استباقية لحماية اموالهم، فإن هناك مبررات موضوعية اخرى تتعلق باختلال الاوضاع الاقتصادية داخل الولايات المتحدة مما ينعكس سلبا على الاستثمارات الخاصة، ومن ابرز هذه المبررات حالة الكساد العام المتنامي في كافة القطاعات الانتاجية والذي ينتشر كنتيجة لاتساع بيئة الخوف والرعب التي افرزتها الاجراءات الامنية الكاسحة بعد احداث سبتمبر. هناك ايضا ظاهرة الغش والاحتيال على مستوى الشركات العملاقة، مما عكسته فضائح التدليس الحسابي مؤخرا في شركة «انرون» للطاقة وشركة «وورلد كوم» للاتصالات، فقد ثبت قانونيا ان هذه الشركات تقدم الى بورصات الاسهم ارقاما مزورة من اجل ترويج التداول في اسهمها بعرض ارباح مضخمة هي في الحقيقة خسائر ناتجة عن الفساد المالي الذي يمارس في هذه الشركات على مستوى الادارة العليا. وندرك خطورة هذه الظاهرة اذا استذكرنا ان قسما كبيرا من استثمارات رجال الاعمال العرب في الولايات المتحدة يخصص للمضاربات في اسواق الاسهم. ولا يقل خطورة عن التلاعب في بورصات الاسهم ظاهرة الهبوط المتواتر مؤخرا في قيمة الدولار الاميركي، مما يؤدي الى تآكل القيمة الحقيقية للودائع العربية في المصارف الاميركية. على ان الخطر الاوسع نطاقا وينطوي بصورة غير مباشرة على كافة الاخطار التي تحيق حاضرا ومستقبلا بالاستثمارات العربية بصورة عامة في مختلف المؤسسات الاميركية، يتمثل في تنامي البيئة السياسية المعادية للعرب والمسلمين في الولايات المتحدة على الصعيدين الرسمي والشعبي على حد سواء. ماذا ينتظر رجال الاعمال اذن؟ ان لديهم من الاسباب الذاتية المرئية ما يكفي للتحرك الفوري لحماية امواهم لكن هناك ايضا اسبابا وطنية وقومية تتطلب تحركا موازيا للحكومات العربية، فالعداء السياسي الاميركي للامة العربية على الصعيد الرسمي لم يعد موضع استنباط نظري تجريدي، وانما هو حقائق ماثلة تزداد ثباتا ووضوحا على نحو يومي من خلال قرارات وممارسات الادارة الاميركية تجاه الحكومات العربية ـ حتى «الصديقة» منها. وما خفي كان أعظم. ان الاستثمارات العربية في الولايات المتحدة ـ الحكومي منها والخاص ـ تقدر حاليا بنحو الف و 300 مليار دولار، وسحب هذه الاستثمارات العملاقة، او مجرد التهديد بسحبها يكفي لاحداث انهيار في اسواق المال والاسهم والنظام المصرفي في اميركا. انه سلاح ماضٍ آن الأوان لاستخدامه.