عندما تصيح زوجتي في الصغار أن يكفوا عن التسمر أمام التلفاز خشية التأثير السلبي لأفلام الكارتون لما تزخر به من مشاهد عنف وقسوه وشخصيات، ذات ملامح غريبة ما أنزل الله بها من سلطان، أتأمل المشهد وأسرح بخيالي عائدا إلى حكايات جدتي وخالتي اللتين برعتا كما أسلافهما في الحكي واختراع القصص التي كنا نتسلى بها كثيرا حول بنت السلطان، والامير الساحر الذي يسافر إلى البلاد بحثا عن مهرها المستحيل. لم يكن وقتها الاختراع العجيب المسمى بالتلفاز على نفس القدر من الإنتشار الآن خاصة في قرى مصر النائية البعيدة عن العاصمة.. ومع ذلك نشأنا وقد امتلأت مخيلتنا بعوالم تبعث على التحليق فيما وراء الزمان والمكان. وبعد أن التحقنا بالمدارس في أخريات الستينيات وبداية السبعينيات جاء دور الكتاب استكمالا لإسهام الجدة في إثارة خيالنا وتثبيت دعائم الوعي بما يجري حولنا.. وهنا يبقي «خيال الحقل» الذي كان مقررا على تلاميذ الصف السادس الإبتدائي في منتصف السبعينيات الكتاب الأكثر تأثيراً في جيلي وعليّ أنا تحديدا خاصة وأن مؤلفه واحد من أبرع من كتبوا للأطفال. «خيال الحقل» أو الفزاعة كما يطلق عليه بعض الاخوه العرب مجرد عيدان من الخشب مكسوة بملابس مهلهلة استغنى عنها الإنسان لكن دوره في القصة كان بمثابة الراصد الأمين لتطورات الحياة وما اعتراها من تغيرات بعد ثورة 23 يوليو في مصر التي احتفلنا قبل أيام بعيدها الخمسين. الكتاب وإن كان لا يخلو من الهدف السياسي إلا أن الاسلوب الشائق الذي يميز الاستاذ عبد التواب يوسف وما حفل به من رسومات كاريكاتورية.. كان الأكثر امتاعا لنا وسط باقي الكتب الدراسية المقررة التي غالبا ما يشعر التلاميذ تجاهها بالضيق. ومع انتشار التلفاز على نطاق واسع كنا قد انتقلنا من مرحلة الطفولة المتأخرة فتلقفتنا المسلسلات والأفلام العربية منها والغربية. وبالقطع فإن الحديث متصل حول تأثير الدراما وخاصة الغربية على تشكيل وجدان الناس ومدى تأثرهم بما تقدمه من مشاهد عنف يضعها البعض أحيانا في قفص الإتهام. في مدرجات الجامعة جاءنا صوته المميز.. فهو أستاذ لعدة أجيال من الصحافيين والاعلاميين المصريين والعرب. «لا تصدقوا يا أبنائي أن مشاهد العنف في السينما أو التليفزيون يمكن أن تخلق مجرما أو تعزز نوايا الشر لدى الإنسان» هكذا قال أستاذنا الدكتور خليل صابات رحمه الله.. لم نتوقف كثيرا عند ملاحظته العابرة.. لكنني اليوم أضع هذه الكلمات تحت المجهر مائلا إلى وجاهتها ربما رغبة مني في عدم حرمان الأبناء من أن يعيشوا عالم الكارتون الحافل بشخصياته المتنوعه رغم الضجة التي أثيرت في فترة سابقة حول بعضها مثل (البيكيمون) وأبطال «الديجيتال» وغيرها مما تعرضه شاشات الفضائيات مدبلجا إلى العربية. هذه بالضرورة ليست دعوة إلى الإنفتاح غير المدروس على إنتاج الآخرين في ظل غياب أو تقصير عربي في تقديم ما يسد الفجوة التي تتدفق من خلالها الاعمال الكارتونية الغربية والآسيوية على السواء إلى مخادع أطفالنا خاصة إذا ما دخل على الخط الحس التجاري والرغبة في جني الأرباح. ودعونا نعترف أننا لم نجتهد كثيرا بالبناء على ابداعات مثل: خيال الحقل«أو قصص «بابا شارو وعمو حسن» التي ظلت تلعب دورا في تشكيل وجدان أطفالنا لسنوات.. إذن أليس من حق هؤلاء الاطفال البحث عما يصيغ وجدانهم ويثير فيهم الخيال؟! هل من حقنا ونحن المقصرون أن نصادر على أطفالنا حق الاستمتاع بما هو متاح أمامهم من أعمال تستوعب أوقات فراغهم في ظل انشغال الأب والام تحت وطأة ظروف الحياة؟! ثم دعونا نسأل من سيعيش المستقبل نحن أم هؤلاء الاطفال ؟.. فإذا كان العالم يشهد متغيرات متلاحقة يعجز البعض عن مسايرتها.. أليس من حق أطفالنا الإلتحام مع هذا العالم بأدواته المتوفرة وإن شابها بعض السلبيات؟! المثال والمدينة الفاضلة لم يصل إليهما أحد حتى الآن.. وبالتالي لأطفالنا كل الحق في أن يعيشوا عالمهم بكل متناقضاته فهذه هي الحياة التي تنتظرهم. وإذا كنا نريد جيلا أكثر قوة وصلابة وتماسكا دعونا نمنح فلذات أكبادنا حرية أوسع مما منحها لنا آباؤنا لصالح تعزيز الثقة في نفوس هؤلاء الصغار وأن نتخلص من العقدة التي يمارسها الجيل السابق على الجيل الجديد وكأن الجيل الجديد لابد أن يكون نسخة إن لم يكن استنساخا عن الأجيال السابقة. ولنتحدث مع أبنائنا وأحفادنا عن المستقبل الذي يقفون على عتباته بدلا من الكلام المعاد والمكرر من نوعية «على أيامنا كانت البيضة بنصف مليم.. أو أننا كنا نرهب مدرسنا وكأنه غول يمكن أن يلتهمنا» فمثل هذه الاحاديث لن تجدي مع الاجيال التي ولدت في عصر الإنترنت وثورة الإتصالات والمواصلات التي جعلت كوكبنا بصدق قرية صغيرة إن لم يكن نجعا تابعا لإحدى القرى. (خيال الحقل) كانت له أيامه وأبطال (الديجيتال) يقتحمون الساحة الآن ومن حق كل جيل أن يملأ وجدانه بما يتناسب وواقع حياته المتشابكة والاعنف تعقيدا. وليس من واجبنا سوى النصح غير المباشر لأطفالنا ومشاهدة الزهور وهي تتفتح من قريب.