يقولون ان التفاؤل يطيل العمر، وان الإقبال على الحياة بحب وأريحية وإشراقة وجه، وقلب يسع كل جمال الكون، وسماحته، يجعل من حياتنا معزوفة نادرة، يعجز عن بلوغ سرها عباقرة الأنغام، ويجعل منا جملاً لحنية متناسقة في سيمفونية عنوانها الأبدية، يعجز عن اللحاق بها زماننا العادي، بمواقيته المحدودة. صحيح، قول الشعراء عندما يتلاقى خيالهم الخصب مع نتائج البحوث العلمية، والفلسفية، فالجميل يرى الوجود جميلاً، بمعنى أن الذات الانسانية هي المعنية بادراك العالم، وكلما ارتقى الانسان بوجدانه وقيمه، كلما شفت رؤيته، وتسامت على نقائص الوجود المادي، او كما استخلص احد ابرع كتابنا العرب القدامى «النفري» بقوله: كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة، اي ان الايجاز سر البلاغة، وثراء المعرفة هو منطلقها ومعينها. لكن المحير، دون الدخول في جدل فلسفي حول مدى صدقية أي من المدرستين التجريبية المادية او المثالية في التواصل ومعرفة الوجود، وايهما الاحدث، هو ندرة مبررات التفاؤل في حياتنا، بمعنى ان المرحلة التي يمر بها العالم، ونحن معه، مرحلة تحولات، ايقاعها اسرع من ايقاع قدرتنا على ملاحقتها، لدرجة ان فهم وادراك ما يجري لا يتزامن مع مجريات الواقع. فكلما وقع حدث ضخم ـ واحداث عالمنا الآن كلها جسام ـ لا نفيق من صدمته المعرفية، الا وطغى عليه حدث جديد، ونحن لا نزال غارقين في فك طلسم ما جرى، ولسان حالنا يقول: ذهبت هموم حرت في أسمائها وأتت هموم ما لهن أسامي خذ مثلا، انهيار الاتحاد السوفييتي الكارثي الدرامي، وتركه الساحة خالية للولايات المتحدة كقطب دولي وحيد، وانكشاف الساحة العربية، وما تلاه من كارثة حرب الخليج الثانية، وتداعي الطامعين في أمتنا «كتداعي الأكلة على القصعة»، وقبل ان نفيق من الصدمة، وجدنا انفسنا غارقين في بحر متلاطم من الأزمات، بعد ان تلاشى وهم السلام كخيار استراتيجي لنا مع العدو الصهيوني، وتحطم قطار مدريد للسلام في محطة الارهابي ارييل شارون (على ان احداث 11 سبتمبر والهجمات الارهابية على نيويورك وواشنطن، التي بدت وكأنها مستنسخة من فيلم سينمائي من افلام الرعب التي برعت فيها هوليوود، ونجحت بجدارة في تصوير العربي او المسلم كارهابي، جعلت العالم على غير ما كان عليه قبلها. ومن المؤكد ان التاريخ سيقف كثيرا امام احداث 11 سبتمبر وما تلاها كثيرا، ويجعل منها نقطة تحول مركزي، واعادة لرسم خارطة جيوـ استراتيجية لعالمنا، بل وصياغة جديدة لقاموسنا السياسي والثقافي، حيث تكتسب الكلمات والمصطلحات المألوفة معاني جديدة غير مألوفة، فالارهاب الحقيقي اصبح يمارس من جانب الذين يجاهرون بأنهم يقودون حرباً ضد الارهاب، والسلام اصبح مرادفا للاذعان تحت فوهة المدافع، والديمقراطية اصبحت تعني التدخل السافر في شئون الدول خصوصا العربية والاسلامية، والحريات العامة اصبحت في قفص الاتهام ومسئولة عن تسلل العناصر المشبوهة داخل الولايات المتحدة، وبالتالي فقد المجتمع الاميركي كثيرا من سماته التي جعلت منه خلال العقود الاخيرة، ارضا للاحلام واصبح ارضا للأوهام والهواجس الامنية التي ترى في كل قادم جديد متهما حتى يثبت براءته! ولو تساءل اي منا او سأل نفسه: الى أين نحن ذاهبون، بمعنى الى أين تمضي بنا قافلة التاريخ، وفي اي مرحلة نحن نعيش، هل نعيش عصر هولاكو وجنكيز خان، ام نعايش تجربة جديدة من تجارب التاريخ المؤلمة، ابان حكم النازي هتلر، او الغزوات الصليبية او حروب الفرنجة كما يسميها البعض؟ لن يجد جوابا شافياً، فقط سيفقد المعنى الحقيقي للتفاؤل الذي يطيل العمر، ويدخل في دوامة الاساطير والمزاعم التي يطلقها علينا هولاكو العصر كل صباح، ليدمغنا بجرم الارهاب وهو صانعه، ومنظره قبل احداث 11 سبتمبر بعشرات السنين. اذن اعذر من لا يجد مبرراً للتفاؤل وتوسلوا له بطول العمر حتى تظهر بادرة للتفاؤل.