كدت أمشي في الشوارع وأنادي كما كان يفعل اجدادنا طالبا من الناس مساعدتي في العثور عما تاه مني. ولست مثل أجدادنا والحمد لله الذين كان يضيع أولادهم أو أقاربهم أو ربما دوابهم. ولكن ما ضاع مني هو ما كتبته خلال خمسين عاما ونيف، وضاع معظمه، ولا تفهم من هذا يا عزيزي القارئ أنني أريد استعادته، فأنا مؤمن بأن الكتابة كالتنفس، أما الاحتفاء بالكتابة فهو مستحيل بعد شكسبير وموليير وديستوفسكي والمتنبي وهوجو وابسن وتشيكوف ومن في درجاتهم. انما أريد العثور على بعض ما ضاع لأسباب مختلفة. فلقد طلبت مني ناقدة كبيرة ان احصر لها الاعمال الأولى التي كتبتها للتلفزيون. وطلبت منها ان تتركني يوما أو يومين لأتذكر. ولقد حاولت، ولكن معظم ما حاولت تذكره طار من رأسي، وكيف تتذكر أنفاسك. بالطبع كانت هناك ملامح عامة منها انها كانت تجارب أولى لكنها تحمل تحديا ربما كان أكبر من تحدي هذه الأيام. وبالطبع لم أقل للناقدة هذا الكلام انما اتهرب منها لعلها تنسى ما طلبت. أما الكتابة الاخرى التي أردت بشغف استعادتها فهي قصة قصيرة أو قصة قصيرة طويلة بعض الشيء بعنوان (الرجل الذي يسكن أعلى الميدان) ولقد نشرتها في مجلة (المجلة) في نهاية الستينيات أو أوائل السبعينيات. وكان يرأس تحرير (المجلة) يحيى حقي وكان يعاونه أنور المعداوي. وكلاهما كما نعرف قمة مجاله. وكان أنور المعداوي الذي كنا نصفه بآخر الفرسان يهز القصة في يده ويقول لقد (اكتشفت) هذا الكاتب. وكان يحيى حقي استاذ الأجيال يقول له: اهدأ فهو قديم جدا، ولكنك لم تكن تعرفه. وكانت القصة مستوحاة من مهندس تعرفت عليه، وكان يعمل في مكتب في احدى العمارات الكبيرة في احد الميادين الكبرى وبظروف معقدة اصبح المكتب ملكه، ودخل دائرة الثراء. واشترى الدور الأخير في العمارة، وسكن فيه. ولم يكن صاحبي المهندس هذا متزوجا ولم يتزوج الى وفاته منذ وقت قريب. وتغيرت علاقاتنا كنا نتقابل وسط الاخرين لكنه ابتعد عن الجميع، وفجأة اصطفاني منهم، وتقرب مني، وأخذ يلح علي لنلتقي وبعد فترة طويلة ادركت الفصل الأول في الرسالة التي أراد ان يبلغني اياها. انه يجلس في (البلكونة) اذا ما انتهى من عمله، ويأخذ في تأمل الميدان والحركة فيه، والشوارع المجاورة وما يحدث فيها، والمحلات، وبعض البيوت، فأنت لن تصدق ما تستطيع رؤيته من هذا المكان. بدأ يكتشف العلاقات، فالرجل في هذا المكان على علاقة بامرأة في ذاك المكان. وسائق السيارة السوداء لا يجيد القيادة والرجل الذي يسير وكادت تصدمه سيارة يائس من الحياة وعلى وشك الانتحار و.. و.. ولقد استمتعت جدا بهذا الفصل من الرسالة، فأنا أيضا أحب المراقبة وأهوى نسج قصص عمن اعرفهم. ولقد فتنني المكان وأنا أجلس فيه مع صاحبي المهندس، ونرقب معا المارة والسكان والسيارات. ولكن مع انتقال صاحبي الى الفصل الثاني في الرسالة وكان ذلك بعد أسابيع انتابني قلق على صحته العقلية، فلقد راهني انه يستطيع ان يدفع قائد السيارة المارة لعمل حادث، أو يدفع الشاب الذي يعبر الشارع للتعرف بالفتاة التي تمر عكسه ويتزوجها. ومن المدهش ان بعض ما راهن عليه كان يحدث. وأظن أن ذلك من طول المراقبة، وتخمينه من سيقوم بحادث مثلا. وبدون مقدمات انتقل صاحبي إلى الفصل الثالث، وكان الفصل الأخير بالنسبة لي. فلقد طلب مني أن أكتب عن قدراته في التحكم في حياة الناس وسير السيارات! ورأيت ان هذا هو الجنون بعينه، فقاطعته، وكتبت قصة الرجل الذي يسكن أعلى الميدان.. ومنذ ذلك الحين وأنا أرى رجالا يسكنون اعلى الميدان، ويتوهمون انهم يتحكمون في مصائر الناس. وكان اخرهم مراد نيازوف. ونيازوف بالطبع هو نيازي. والكثيرون يعرفون المخرج الكبير الراحل نيازي مصطفى وهو مخرج يتذكره السينمائيون أكثر مما يتذكره الجمهور رغم افلام عنترة التي قدمها، ذلك أن قدراته كسينمائي كانت أكبر بكثير مما قدمه على الشاشة. ونعود الى نيازوف وهو رئيس لاحدى الجمهوريات السوفييتية التي تفككت وهي جمهورية تركمنستان. وما يحدث الآن في هذه الجمهوريات هو أكبر سباب يوجه الى الاتحاد السوفييتي السابق! ونيازوف مثل معظم الرؤساء الشرقيين هو رئيس مدى الحياة حتى بحكم الدستور. ولأن معظم الجمهوريات الاسلامية كان ظل الدولة العثمانية عليها فلقد قرر نيازوف ان يسمى نفسه ابا التركمان تيمناً بمصطفى كمال الذي تسمى باسم اتاتورك أي والد الاتراك. وبعد ان سكن نيازوف أعلى بلاد التركمان وأخذ يراقب شعبه يسير كالنمل، ويقود السيارات كأنها علب الكبريت انتابته حالة مثل الحالة التي انتابت صاحبي والتي انتهت به الى السقوط من السفينة (كوين اليزابيث) بعدما ظن انه يستطيع ان يسير على الماء مثلما فعل السيد المسيح، لكنه سقط في المحيط ولم يعثروا على جثته. في فصل نيازوف الأول قدر ان يعدل التقويم، وخالف التقويم الجويجوري (الميلادي) الذي فرضه علينا الغرب بكل اخطائه. حقا انه لم يصحح الاخطاء، لكنه فعل ما هو أبهى، فلقد افتتح العام بشهر يسمى (تركمان باشا) أي والد التركماني وهو نيازوف نفسه. وبعد ذلك أخذ يوزع اسماء الشهور كما يشاء. فأسمى احد الشهور (روح نامه) وهو اسم الكتاب الذي وضع فيه الرئيس (فلسفته) وأجبر مواطنيه على اقتنائه. واسمى شهرا اخر (قربانا سلطان) وهو اسم السيدة والدة الرئيس، والتي كان لها فضل ادخاله الى هذه الدنيا، ولولاها لما حظي العالم بهذه الانجازات التي لم تتوقف عند الشهور فوصلت إلى الأيام التي غير اسماءها. ثم استراح بضعة أيام، وقرر تغيير مراحل العمر، فلا الطفولة صارت طفولة، ولا الشباب صار شبابا ولا الكهولة صارت كهولة! وبعد ذلك استراح، ولعله سيخرج بعدها بمشروعه الأكبر وربما كان تغيير اسماء رعاياه. لقد عانيت شهورا طويلة من صاحبي الذي كان يسكن أعلى الميدان، فما بالك بشعوب الأرض التي تعاني ممن يسكنون أعالي الميادين؟!