الاجتماعات التي تعقدها في غزة لجنة المتابعة بين الفصائل الفلسطينية والتي تهدف، كما تبين وثيقة النقاش، إلى التوصل لموقف مشترك من القضايا الرئيسية المطروحة على الساحة الفلسطينية، هي المحاولة الأكثر جدية حتى الآن، لبلورة تصور فلسطيني موحد. ورغم أنه ليس هناك ما يدعو إلى التفاؤل كثيرا بإمكانية تحقيق هذا الهدف الآن على الأقل، بالنظر إلى الفروق السياسية والفكرية الواسعة بين هذه الفصائل، إلا أن الاستعداد لمناقشة هذه القضايا، يكتسب في حد ذاته أهمية بالغة، سيما في ظل الظروف المأساوية التي يعيشها الفلسطينيون. ومن ثم قد لا تكون نتيجة تلك الاجتماعات هي تقديم إجابة على المطالب والتساؤلات الدولية والإسرائيلية بإجراء الإصلاح الداخلي ووقف المقاومة وتشكيل قيادة فلسطينية جديدة، بقدر ما هي عملية نقاش وحوار داخلي عميق يبتغي إجراء جردة حساب لنتائج العمل الفلسطيني الوطني في المرحلة السابقة وآفاق الحركة المستقبلية. غير أن مجرد الاستعداد لبحث قضايا مثل المقاومة (طبيعتها، حدودها، وسائلها) أو الدولة الفلسطينية المنشودة (حدودها، طبيعتها) وشكل العلاقة مع الدولة الإسرائيلية وكيفية التعاطي مع المجتمع الدولي، يدل على ولادة روح فلسطينية جديدة، استوعبت آثار عملية السور الواقي الإسرائيلية والاجتياحات وإعادة الاحتلال التي أعقبتها. وضمن هذه الروح يمكن طرح وملامسة المفاهيم التالية : - إن حق المقاومة، حق مشروع كفلته الشرائع السماوية والمواثيق الدولية للشعوب الواقعة تحت الاحتلال. ومع الاحتفاظ بهذا الحق، فإن ممارسته لا يمكن أن تجري في الفراغ، وإنما تتم في ظل واقع ملموس. وهي لا بد أن تأخذ بعين الاعتبار متطلبات وظروف هذا الواقع واتجاه حركته. هذه المتطلبات تحدد نوعية المقاومة وشكلها وأساليب عملها وحجم المكاسب والخسائر المتوقعة جراء ذلك. ولا تستطيع أي مقاومة أن تنجح من دون مراعاة موازين القوى المحلية والدولية، ودرجة تحمل المجتمع نفسه، وتأمين موجبات الاستمرار والبقاء. ولا تستطيع أن تنجح بالاعتماد فقط على التصورات والأفكار والآمال التي تحملها أو الأهداف التي تصاغ بعيدا عن الواقع. - إن ما يحدد نجاعة ونجاح وسيلة مقاومة ما، ليس مقدار بعدها أو قربها من الأخلاق أو المشروعية أو تواؤمها مع القيم الإنسانية، وإنما مقدار استعداد المجتمعين المحلي والدولي لتقبلها وغض الطرف عنها. فأعمال المقاومة المسلحة (بما تتضمنه من قتل وتفجير وتدمير) قد تكون مقبولة ومرحبا بها في منطقة ما من العالم، لكنها قد تكون مرفوضة ومدانة في منطقة أخرى. وهذا التمييز أو التناقض يمكن بالطبع رفضه والتنديد به، لكن لا يمكن تجاهله أو إسقاطه من الحساب. يكتسب رأي المجتمع الدولي (وبشكل أكثر دقة مواقف الدول الكبرى) أهمية حاسمة في الظروف العالمية الراهنة، إلى درجة أن الحلول التي تطرح للأزمات المختلفة، إنما تتحدد ملامحها الرئيسية وفق ما يقبله أو يرفضه هذا المجتمع. فلا وجود لحل يتعلق بأي مشكلة في أي منطقة من العالم، خارج إطار مفاهيم المجتمع الدولي واهتماماته. من هنا فإن الوصول إلى حالة تماه أو مقاربة بين أساليب المقاومة أو النضال السياسي لشعب ما، وبين إجماع المجتمع الدولي، يعتبر هدفا في حد ذاته يستحق النضال والعمل من أجله بكل السبل. بل إن جذب اهتمام هذا المجتمع (وربما توريطه أحيانا إذا جاز التعبير) كان دائما وسيلة فاعلة لبعث الحياة وإبقاء جذوة القضايا مشتعلة. وكثير من هذه القضايا بهتت أو ماتت جراء تجاهل الدول الكبرى لها، وانصرافها عنها، رغم عدالتها أحيانا وأهميته البارزة في أحيان أخرى. إذا قاربنا بين هذه المفاهيم وبين المسألة الفلسطينية في حالتها الراهنة، فإنه يمكن ملاحظة التالي: إن الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت في سبتمبر عام 2000 ضد الاحتلال الإسرائيلي، نجحت في البداية في فرض نفسها كقضية ملحة على جدول أعمال المجتمع الدولي، وتجلى ذلك في العدد الكبير من زيارات المسئولين الدوليين للأراضي المحتلة، وإبقاء الملف الفلسطيني مفتوحا في الأمم المتحدة وعشرات الآلاف من الصور والمقالات والأخبار التي تتداولها وسائل الإعلام العربية والدولية. لكن نجاح إسرائيل في استفزاز الفلسطينيين وجرهم تدريجيا إلى حلبة العمليات الانتحارية، وتحول هذه الأخيرة إلى السلاح الأبرز والأكثر طغيانا في الانتفاضة، قد نقل القضية الفلسطينية إلى مستوى جديد كليا. فالاهتمام الدولي انقلب إلى إدانة هذه العمليات، أو على الأقل مساواتها بالعنف الموجه من جانب الدولة الإسرائيلية. وأصبح الحديث يتم عن عنفين، أحدهما فلسطيني والآخر إسرائيلي ينبغي وقفهما. وسرعان ما نسي المجتمع الدولي مسألة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وكونه القضية الجوهرية في المشكلة الفلسطينية. وبات الخطاب السياسي لعدد كبير من دول العالم (أوروبا، الصين وروسيا) ناهيك عن الولايات المتحدة، يشترط إيقاف «العنف الفلسطيني» أولا قبل الحديث عن إجراء المفاوضات السياسية، وتاليا البحث في إنهاء الاحتلال. أكثر من ذلك غض المجتمع الدولي طرفه عن احتلال الجيش الإسرائيلي لمدن الضفة وتدمير المجتمع الفلسطيني، وأعمال القتل وهدم المنازل واعتقال المواطنين بالجملة وإذلالهم ومنع وصول الدواء والغذاء للأطفال والنساء والشيوخ، واعتبر ذلك كله ثمنا معقولا ومقبولا ضمن مساعي إسرائيل لمواجهة العمليات الانتحارية. إن خسارة الفلسطينيين لتعاطف دول العالم في محنتهم المتفاقمة، يعادل في حد ذاته، خسارة الهدف الرئيسي للانتفاضة وهو إزالة الاحتلال وإقامة الدولة المستقلة. والأخطر من كل هذا أن إسرائيل نجحت في إغواء المجتمع الدولي بجعله يربط بين أمنها وبين نيل الفلسطينيين لحقوقهم المشروعة. هذا الربط قدمته حكومة أرييل شارون للعالم بوصفه مطلبا «عادلا» في مواجهة ما تعتبره أعمالا فلسطينية تهدد حقها في الوجود، مع أن الوجود الفلسطيني هو المهدد في حقيقة الأمر. والمؤسف أن العالم اقتنع بذلك بعد أن رأى ما فعلته العمليات الانتحارية من أهوال في شوارع ومطاعم وجامعات إسرائيل. لذلك اصبح لزاما على السلطة والفصائل الفلسطينية المختلفة بعد كل ما جرى، أن تفتح نقاشا جديا وصريحا حول العمليات الانتحارية ومدى فاعليتها في الكفاح الفلسطيني، وحجم الخسائر والمكاسب الناجمة عنها. ـ كاتب من البحرين