تؤشّر العديد من المعطيات إلى أن حكومة شارون باتت على وشك الوصول إلى طريق مسدود وأنها بدأت العد العكسي لعمرها السياسي، بدليل كثرة الحديث عن قرب انفراط حكومة «الوحدة الوطنية» وتراجع ثقة الإسرائيليين فيها، بحسب استطلاعات الرأي، وبدليل الأزمات المتزايدة في مختلف الأحزاب السياسية الإسرائيلية، وذلك بسبب إخفاق هذه الحكومة في العديد من المهمات التي أخذتها على عاتقها فهي لم تجلب الأمن للإسرائيليين وأخفقت تماما في المجالين الاقتصادي والاجتماعي. فمن الناحية الأمنية، مثلا، لم يف شارون بالوعد الذي قطعه على نفسه أمام الجمهور الإسرائيلي، لدى ترشحه للانتخابات في فبراير 2001، والذي تعهد فيه بوأد المقاومة الفلسطينية في غضون مئة يوم، إذ أن المقاومة بعد ستمئة يوم مازالت توجّه ضربات قاسية للإسرائيليين، ورقم الـ 600 قتيل إسرائيلي وضع شارون في منصب رئيس الحكومة الذي قتل في عهده أكبر عدد من الإسرائيليين، حتى حملات شارون العسكرية من «المتدحرجة» مرورا ب«السور الواقي» وصولا إلى «الطريق الحازم» باءت بدورها بفشل شديد، إذ قتل من الإسرائيليين خلال الأربعة أشهر الأخيرة، أي من أواخر مارس (بدء عملية السور الواقي) حتى أواخر يوليو الماضي 175 إسرائيليا، وهو عدد يزيد على القتلى الإسرائيليين الذين صرعوا نتيجة عمليات المقاومة في العام الأول للانتفاضة. وبحسب يوئيل ماركوس فإن «والد هذا الفشل الكبير اسمه شارون.. في غضون عامين تقريبا أعادنا سنوات إلى الوراء في كل مجال، الرجل الذي قالوا عنه انه مفعم بالأفكار الأصيلة، لم يبادر إلى أي فكرة أصيلة لتحطيم دائرة الدماء، الاستراتيجي العظيم ظهر كتكتيكي محلي يركز على بقائه (هآرتس 68) وحتى أن بنيامين بن اليعازر زعيم حزب العمل ووزير الدفاع في حكومة شارون أقر مؤخرا بأن إسرائيل استنفدت كل الوسائل التي بحوزتها لإجهاض المقاومة الفلسطينية، بالوسائل العسكرية وأنه لذلك لا بد من طريق سياسي، كما أقر شاؤول موفاز رئيس الأركان السابق بهذه الحقيقة باعترافه بأن الحملات العسكرية لم ولن تحقق أهدافها طالما أنها لم تنل من وعي الفلسطينيين ومعنوياتهم. أما في المجال الاقتصادي، فقد بات عهد شارون في عرف الإسرائيليين يمثّل أحلك سنواتهم الاقتصادية، فالأضرار الناجمة عن تأثيرات الانتفاضة (مع عوامل اقتصادية أخرى) قدرت خلال السنتين الماضيتين، بحسب وزارة المالية الإسرائيلية، بحوالي 11 مليار دولار، وثمة تدهور كبير في حجم الاستثمارات الخارجية وانهيار في القطاع السياحي وتراجع في الصادرات وفي مستوى الإنتاج وعجز تجاري مع زيادة في الإنفاق على المجالات الأمنية مقابل التقليص في موازنات الصحة والتعليم والضمان الاجتماعي، وثمة 300 ألف عاطل عن العمل، وبالتالي، تراجع في مستوى المعيشة وتراجع في نسبة النمو التي وصلت إلى معدل سلبي قدره ناقص نصف بالمئة. وقد وصف بعض المحللين الإسرائيليين هذا الوضع المتدهور بأنه أسوأ أزمة اقتصادية شهدتها إسرائيل منذ العام 1953. وعلى الصعيد الاجتماعي يبدو أن إسرائيل باتت على موعد مع هزّات اجتماعية، على خلفية متاعبها الأمنية وأزماتها الاقتصادية، إذ إن هذه الدولة التي كانت تصرف على شبكة واسعة من الخدمات والتأمينات باتت عاجزة، إلى حد ما، عن الاستمرار بالوفاء بالتزاماتها هذه، وعلى هذا الأساس قلّصت حكومة شارون ميزانية العام 2003 بمقدار 2 مليار دولار، اقتطعتها من حساب الإنفاق على قطاعات أساسية وحساسة في المجتمع الإسرائيلي من ضمنها ميزانية التأمين الوطني (260 مليون دولار) وميزانية التربية والتعليم (420 مليون دولار)؛ وهذه التقليصات من شأنها أن تلحق أضرارا كبيرة بالشرائح الاجتماعية الأكثر حاجة وتبعية للمساعدات الحكومية، وذلك بخفض ما يسمى ضمان الدخل والتأمين الاجتماعي الذي يستفيد منه اكثر من 300 ألف شخص معظمهم من الشبان العاطلين عن العمل أو من المهاجرين الجدد. وكان تأثير الأوضاع الاقتصادية شديد الوطأة على الإسرائيليين إلى درجة أن معظم استطلاعات الرأي التي كانت تشير إلى أن 70 بالمئة من الإسرائيليين يمنحون ثقتهم لطريق شارون على الصعيدين السياسي والأمني، كانت تشير أيضا إلى أن نفس النسبة، بل وأكثر، تحجب ثقتها عنه على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، وتدل آخر معطيات استطلاعات الرأي العام في إسرائيل، والتي أجراها معهد ماركت ووتش المتخصص ونشرتها صحيفة «معاريف» يوم 168، على تآكل ثقة الإسرائيليين بشارون بسبب سياسته في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية، فقد عبر 46 بالمئة، فقط، من المشاركين في الاستطلاع عن رضاهم عموما عن أداء شارون في مقابل 61 بالمئة قبل ستة أسابيع فقط، أي بتراجع قدره 15 بالمئة، أيضا في هذا الاستطلاع أعرب 18 بالمئة فقط عن رضاهم عن سياسته الاقتصادية والاجتماعية في مقابل 72 بالمئة أعربوا عن عدم رضاهم، وأيد 55 بالمئة تقديم موعد الانتخابات إلى يناير المقبل، واعتبر 41 بالمئة من المشاركين بالاستطلاع أن أكثر ما يقلقهم هو الوضع الأمني في مقابل 29 بالمئة اعتبروا أن ما يقلقهم هو الوضع الاقتصادي و20 بالمئة اعتبروا أن الموضوعين الأمني والاقتصادي يسببان لهم قلقا على نفس الدرجة من الأهمية. وهكذا فإنه وبعد مرور ما يقارب العامين، على مجيئه إلى السلطة ثمة تضعضع في مكانة شارون لدى الجمهور الإسرائيلي وبداية تفكك في ائتلافه الحكومي، وكل ذلك نتيجة تزايد قناعة عند الإسرائيليين بعدم جدوى الوسائل العسكرية الوحشية، التي انتهجها في مواجهته للفلسطينيين، وغياب رؤية سياسية معقولة لديه، وأيضا، نتيجة تحسس الإسرائيليين بشكل ملموس للثمن الباهظ الذي يدفعونه من مستوى حياتهم ومن نموهم الاقتصادي. وهذا الواقع يؤكد بأن إسرائيل برغم إحساسها بالقوة والتفوق فإنها مازالت حائرة في تحديد خياراتها ومصيرها، وهذا هو سبب تذبذب المجتمع الإسرائيلي في مدى عشر سنوات بين اليمين واليسار بين التطرف والاعتدال بين الحرب والسلام، ولا أدل على ذلك من تفحّص استطلاعات الرأي التي يعطي فيها 55 ـ 65 بالمئة من الإسرائيليين موافقتهم على التسوية مع الفلسطينيين التي تتضمن تفكيك المستوطنات وقيام دولة فلسطينية في الوقت ذاته الذي تعطي فيه ذات النسبة موافقتها على طريق شارون الوحشي في تعاطيه مع الفلسطينيين، وهذه الحيرة هي التي جاءت برابين بديلا لشامير وبعده بنتنياهو لتسقطه لحساب باراك الذي سقط بدوره لصالح شارون، وكل رؤساء الحكومات هؤلاء لم يكملوا الفترة المخصصة لهم، وواحد منهم اغتيل على يد يهودي متطرف. من هذا العرض لا ينبغي المراهنة فقط، على ما يحدث في المجتمع الإسرائيلي على أهمية ذلك، فبرغم من أن العديد من الأحزاب تهيئ نفسها للقفز من سفينة شارون، التي توشك على الغرق، وتحميله مسئولية هذه المرحلة السياسية بكل احباطاتها ومع كل التدهور الأمني والاقتصادي الحاصل فيها، فإن ما يجب المراهنة عليه أيضا، هو صمود الشعب الفلسطيني واستمرار مقاومته وحسن إدارة قيادته للصراع مع إسرائيل، والتغير في المعطيات العربية والدولية، لأن المطلوب أصلا ليس مجرد إسقاط شارون لصالح نتانياهو، وإنما المطلوب إسقاط نهج شارون من أساسه وبمختلف تجلياته الأيديولوجية والعسكرية والسياسية. ـ كاتب فلسطيني