هل يعود العالم مرتدا، ناكصا على عقبيه من انفتاح الشفافية الى انغلاق الضبابية وربما الظلامية.. والعياذ بالله؟ السؤال بات مطروحا، وبالحاح شديد منذ وقعت حوادث 11 سبتمبر 2001 وما أعقبها من شعار اعلان الحرب على الارهاب. وبديهي أن لا أحد يؤيد الارهاب سواء كان ارهاب الفرد أو الجماعة.. ارهاب المؤسسات أو الدول.. لكن المشكلة أن من الشعارات التي تطرح في عالم السياسة ما ينطبق عليه التحذير الحكيم المأثور في لغة العرب وهو «كلمة حق يراد بها باطل». والمعنى أن الحرب ضد الارهاب وهي أمر مطلوب بحد ذاته، هي شعار حّمال أوْجه كما يقال في علوم الفقه والمنطق.. شعار يمكن أن تستغله قوى ذات مصالح شتى ولها «أجندات» سياسية واقتصادية لا يعلم بها إلا الله سبحانه وهي من ثم تركب الموجة وتدخل في سوق المزايدات كي تحقق مآرب وأهدافا لا علاقة لها بمكافحة الارهاب أو بإشاعة الأمان في أرجاء العالم. حق المعرفة ومن أفدح الأخطار التي جاءت بها أو انطوت عليها شعارات حرب الارهاب، ذلك الخطر الذي بات يتهدد جانب المعلومات والمعارف والأخبار والبيانات التي ناضلت شعوب العالم، عبر مراحل شتى من التاريخ الحديث والمعاصر كي تصبح متاحة للناس وكي يصبح تدفقها الحر والمتواصل حقا مذكورا ومؤكدا ومقننا للأفراد. ولقد أشرنا في الجزء الأول من هذا المبحث الى عدد يبلغ 26 دولة كانت قد أصدرت تشريعات أكدت فيها على «حق المواطن في أن يعرف» مجسدة بذلك في متن قوانينها مبدأ حرية تدفق المعلومات، وقد تراوحت هذه الدول بين اليابان بتراثها التقليدي وأعرافها الموروثة وبلغاريا التي خرجت منذ سنوات قليلة من تجربة ديكتاتورية البروليتاريا ودساتيرها الشيوعية وحزبها الواحد المحتكر للسلطة والنفوذ.. والمعلومات، كما تراوحت تلك الدول بين بريطانيا وبين جنوب افريقيا وقد خرجت بدورها منذ عقد من السنوات من غمار تجربتها التاريخية القاسية من حكم الأقلية العنصري البيضاء الى حكم الأغلبية المستضعفة السوداء. وكم رصد المراقبون والمحللون مدى لهفة الناس على الافادة من منجزات أو ثمرات قوانين اتاحة المعلومات للمواطن ـ الانسان العادي في هذا البلد أو ذاك.. من اليابان الى أميركا في اليابان مثلا.. دخل قانون حرية المعلومات حيز النفاذ في أوائل عام 2001 وعلى الفور تلقى المسئولون 4 آلاف طلب من أجل الحصول على مستندات والاطلاع على وثائق ومعرفة معلومات وبيانات كانت من قبل محجوزة ومحبوسة بدعاوى كثيرة منها مثلا قوانين السرية ومنها أيضا مبرر الصالح العام أو تكئة اسمها الأمن القومي الذي يخضع لتفسيرات ضيقة أو متوسعة حسب آراء ـ وأحيانا أهواء ـ هيئات أو أفراد في مواقع السلطة المختلفة. أما في تايلاند فقد زاد عدد طلبات الحصول على معلومات على نصف مليون طلب في حين أن العدد المقارن في أميركا يكاد يجاوز مليونين من طلبات الاطلاع أو الحصول على الوثائق الرسمية التي يتم الافراج عنها بمقتضى قانون المعلومات الأميركي الذي أصدرته واشنطن ورصدت من أجل تنفيذه مبلغ 253 مليون دولار (بواقع دولار واحد لكل مواطن أميركي) وظلت واشنطن تتيه على العالم عجبا بنفسها واعتزازا بقانونها الذي يتيح سبل الحصول على المعلومة أو الوثيقة بالنسبة الى «أي شخص» كما يقضي بذلك نص القانون ـ نقول أن واشنطن ظلت تواصل هذه المظاهر من التيه المعلوماتي أو الخيلاء القانونية الى أن وقعت قارعة 11 سبتمبر من العام الماضي فإذا بأميركا وقد أصابتها صدمة ـ (نزوما) الواقعة المأساوية وإذا بها تتراجع ـ كما لاحظ المهتمون بهذا الشأن عن المواقع المتقدمة، بل المستنيرة التي كانت قد بلغتها وضربت من خلالها نموذجا ايجابيا كان جديرا بأن يحتذى في مجال اشاعة مجتمع المعرفة القائم على تدفق المعلومات وتداول البيانات بعيدا عن الاحتكار أو الاستئثار أو ما قد نسميه كهنوت المعرفة أو طاغوت المعلومات. هذا النموذج كان قد بدأ ينتشر وينسج على منواله مؤسسات دولية مهمة مثل البنك الدولي الذي كان بسبيل وضع سياسة شفافية أو إفضاء أو مصارحة معلوماتية كما قد نسميها.. في حين أن ظل النموذج الأميركي يشكل تحديا أمام أقطار في الاتحاد الأوروبي كانت موضع ضغط لكي تتخلى عن تقاليد مركزية البيانات وسرية المعلومات وقيود اصدار الوثائق والمستندات ومن هذه الأقطار الأوروبية كانت كل من فرنسا وألمانيا على وجه التحديد. للأسف جاءت أحداث سبتمبر وكأنما لتضع سدا كثيفا أمام حرية تدفق المعلومات.. وبعد عقد كامل من الاستنارة أو المكاشفة شهد ارتفاع الدعوى التي نقلوها عن جورباتشوف وقوامها ـ كما أسلفنا في حديث سبق ـ تكريس عناصر الافضاء أو المصارحة أو الافصاح ويلخصها الشعار الذي بات مكرسا ومفسرا في أدبيات السياسة المعاصرة وهو: الشفافية. هذا التراجع يلخصه الكاتب الأميركي توماس بلانتون حين يقول: ـ في أعقاب 11 سبتمبر، وفيما نشأت دعوى السيطرة على المعلومات ومراقبتها على أساس أن هذا الاجراء سلاح في الحرب ضد الارهاب، نشأت في نفس الوقت مخاوف تشير الى أن الحكومات قد تكون بسبيلها الى اسدال الستار لانهاء عقد من الانفتاح.. أصدرت الهند قانون منع الارهاب الذي يهدد بانزال عقوبة الحبس بحق الصحفيين الذين «لا يتعاونون» مع هيئات انفاذ القوانين (وضعنا من جانبنا ـ كاتب السطور ـ كلمة يتعاونون بين أقواس حيث أن الكلمة مكروهة بل مشكوك في أمرها ضمن السياق السياسي أو سياق مهنة العمل الصحفي ومن دلالاتها السلبية مثلا الافضاء بأسرار المهنة أو الكشف عن المصادر التي يستقي منها الصحفي معلوماته ويتعين عليه طبقا لتقاليد المهنة سترها وحمايتها اللهم إلا اذا كانت ماسة بأمن الوطن كشبكات التجسس الأجنبية على سبيل المثال). سبتمبر ليس السبب مع هذا كله.. يلفت أنظارنا أن أحداث سبتمبر لم تكن بداية ذلك الطريق المسدود أو ذلك الستار ـ حديديا كان أو حريريا ـ الذي أراد المتنفذون في واشنطن أن يسدلوه على عقد الشفافية والمصارحة الذي كان القوم يضربون به المثل الصالح على مدى الانفتاح والاستنارة في أميركا. ها هو الكاتب الأميركي بلانتون ـ الذي نحيل الى دراسته في هذه السطور ـ يقول: - ومن المفارقات أن السرية (الكتمان) عادت من أوسع الأبواب لتؤكد نفسها بصوت درامي عال ومثير في البلد الذي يدعي أنه أكثر ديمقراطية من سواه. وحتى قبل هجمات القاعدة (يقصد من وجهة نظره أحداث سبتمبر) تذرعت ادارة الرئيس بوش بامتيازاتها التنفيذية لدى البت في عدد الطلبات الشهيرة والمهمة للحصول على معلومات وذلك لصد ما دعت اليه أوساط الكونغرس الأميركي من طلب الكشف عن أسماء مستشاري القطاع الخاص في مجال سياسات الطاقة كما تسلحت ادارة بوش بنفس الامتيازات لكي توقف أو تجمد طلبات الافراج عن وثائق ومستندات تنتمي الى حقبة الرئيس الأسبق ريجان رغم أن هذه الطلبات كانت مقدمة بموجب قانون الحصول أو الاطلاع على السجلات الرئاسية. السؤال المطروح كان هذا كله كما يؤكد الكاتب بلانتون ـ في دراسته المنشورة (عدد أغسطس من مجلة «فورين بوليسي») نمطا من أنماط السلوك السياسي للادارة الحالية في واشنطن.. يبقى السؤال البديهي المطروح هو: ـ ماذا بعد 11 سبتمبر عام 2001؟ يجيب المحلل السياسي الأميركي وقد كان ـ للتذكرة ـ مدير هيئة المحفوظات والأرشيف القومي في عهد إدارة كلينتون السابقة! ـ جاء 11 سبتمبر ليحول هذا الاتجاه السلوكي الى عادة متكررة اتبعتها ادارة بوش بصورة مبررة أحيانا (تفاصيل عمليات أفغانستان مثلا) ولكن بأثر رجعي في كثير من الأحيان (على نحو ما فعله مسئولو البيت الأبيض مؤخرا من منح الرؤساء السابقين ـ ومنهم والد الرئيس الحالي ـ سلطة الاعتراض والرفض ـ الفيتو ـ على أي اجراء للافراج عن السجلات أو المستندات أو المحاضر المتعلقة بفترة ولاية كل منهم اضافة الى اصدارهم الأوامر الى دوائر الحكم وهيئات الحكومة من توخي أشد القيود صرامة إزاء الطلبات المقدمة بمقتضى قانون حرية الحصول على المعلومات). لم يكن غريبا إذن أن ترتفع مؤخرا شكوى رؤساء البلديات ومجالس المدن ودوائر الحكم المحلي في الولايات إزاء ما أصبحت الحكومة الاتحادية في واشنطن تسلكه من عدم اشراكهم في البيانات والمعلومات التي يهمهم ـ كمسئولين ومواطنين ـ الحصول عليها. وسواس السرية في ضوء هذا كله تنتهي دراسة مجلة «فورين بوليسي» الى إحكام أو استنتاجات تقول فيها: ـ إن هذا الهاجس أو الوسواس بالسرية والكتمان الذي أصبح مستبدا بادارة بوش سوف يفضي على الأرجح الى نتائج ترتد الى نحر أركان هذه الادارة ذاتها، والسبب.. تضيف الدراسة: ـ أن الحكومات، مثل الأسواق.. لا تعمل بكفاءة في ظل أجواء السرية (الانغلاق).. ولهذا فأشد المعارضين لهذه السرية (وهذا الاحتكار للمعلومات أو هذه الستور من التعتيم على الشفافية) ـ ليسوا أهل الليبرالية أو دعاة التوسع ولا الترخص في الحقوق المدنية.. المعارضون كانوا ولا يزالون أعضاء هيئات النيابة والادعاء الحكوميين فضلا عن العاملين الحقوقيين في سلك القضاء العسكري.. وكلهم أصروا على المزيد من المحاكم العلنية المفتوحة وعلى المزيد من اتباع الاجراءات الأصولية في سير الدعاوى ومراحل التقاضي استنادا الى الاسس الدستورية من جهة وتوخيا لدواعي الكفاءة في الاداء من جهة أخرى. يضيف الكاتب الأميركي توماس بلانتون في دراسته: ـ ان أعضاء النيابة والادعاء يعرفون ـ فيما لا يعرف الرئيس بوش ـ أن الذي يحارب الارهاب هو الانفتاح (وليس التعتيم) وهو ما يتم من خلال تمكين المواطنين (بالوعي والمعلومات) واستئصال أسوأ السياسات المتبعة وجعل المسئولين يتحملون ما ينبغي لهم أن يتحملوا من تبعات (ولا يستثنى من ذلك المستبدون الأجانب الذين يقفون حاليا في موقع حلفاء أميركا المؤقتين في الحرب ضد الارهاب ـ القوس من واقع سطور الدراسة الأميركية). ولقد نتوقف مليا وبالتأمل عند مصطلح تمكين المواطن مرادفا لاتاحة سبل الحصول على المعلومات والبيانات. المعلومات ليست ترفا إن المسألة ليست ترفا ولا مجرد زيادة وعي الناس بما يدور من حولهم.. رغم أن الوعي بحد ذاته وبحكم التعريف أمر مطلوب في مجتمع العصر الحديث فقد مضى الزمن الذي كان يقول فيه حاكم شرقي (والي مصر محمد سعيد باشا نجل محمد علي الكبير)ـ ان الأمة الجاهلة أيسر في حكمها من الأمة المتعلمة(!). واذا كان العدل هو أساس الحكم فلقد أضاف نضال الشعوب في زماننا أن المشاركة هي أساس التقدم.. فكل شيء أصبح في الزمان المعاصر «شعبيا أو جماهيريا» كما قد نصفه باطمئنان علمي.. زمان كانت الحرب مقصورة على مبارزات فرسان وأحيانا على قتال جنود مرتزقة مأجورين.. الحرب في عصرنا أصبحت شأن الناس جميعا والمجهود الحربي أصبح يجمع بين تضحيات الناس وضرائبهم وقتال أبنائهم ولم تعد المعارك تحسم في ساحات الوغي بين مقاتلين محترفين بل تحسم في دواخل الأقطار وأحياء المدن وبين جدران المصانع والمعامل والأكاديميات والمختبرات. والتنمية لم تعد مجرد رغبة من حاكم ولا عطايا من عاهل بقدر ما أضحت شأنا للمجتمع كله يشارك الناس في صنعها ويشتركون على السواء في ثمراتها وأيضا فيما قد تفضي اليه من شظف التحديات وقسوة الصعوبات أو التضحيات.. ضرورة نقل التكنولوجيا وفيما تقتضي التنمية تمكين المواطن داخل مجتمع ما.. وفيما تفرض ظاهرة العولمة ضرورات التفاعل والتكافل والتشارك على مستوى كوكب الأرض.. فلا مناص من أن يتوسع مصطلح ومفهوم التمكين الى حيث يشمل عبور المعلومات والمعارف والبيانات الحدود الوطنية لكي تشكل خيوطا من نسيج الوعي المتشابك على مستوى العالم.. ولكي تصبح جزءا من منظومة المعلومات الكوكبية التي لا ينفك دورانها حول كرة الأرض بشكل دؤوب لا ينقطع تواتره فيما تزداد المعلومات مع كل دورة اتصال ثراء وعمقا واضافة في اطار ما أصبح يسمى بنقل التكنولوجيا.. من هنا يأتي التأكيد باستمرار على أن حرية تدفق وتداول المعلومات على الصعيد الوطني ـ القطري هو ضمان المشاركة الحقيقية الفاعلة من جانب الناس في جهود التنمية والتحديث بقدر ما أنه ضمان التعاون الايجابي والمثمر على الصعيد الدولي ـ هل نقول الكوكبي ـ التماسا لعالم أصبحت تتهدده أخطار حقيقية جسيمة ابتداء من تهميش شعوب بأسرها وليس انتهاء بسحابات من التلوث المسموم الذي قد يفضي ـ إذا انفلت من عقاله ـ الى تهديم الحضارة الانسانية المعاصرة. لقد استهل القرن العشرين سنواته بحرب عالمية رفعت شعار تحرير الناس من امبراطوريات النمسا والمجر والجرمان والأتراك.. وانتصف القرن العشرون بتحذير تشرشل الذي أطلقه في خطبته الشهيرة عام 1946 من نزول ستار حديدي على دول شرقي أوروبا ـ ثم انتهى القرن بدعوة الشفافية والمكاشفة وحرية تدفق وتبادل وتداول المعلومات.. كان هذا كله انجازا للبشرية لا ينكر ولا سبيل الى تجاهله.. مشكلة القرن الجديد لكن ها هو القرن الحادي والعشرون يبدأ بقارعة سبتمبر ويشهد هذه الانتكاسة التي يحاولون فيها تبرير التراجع عن حرية المعلومة والعودة رجعة الى الوراء.. الى حيث احتكار المعارف والبيانات التي تمس مصالح البلاد والعباد بين طيات ملفات الحكم وأضابير المتنفذين وكهنوت الذين احتكروا في أيديهم مقاليد الأمور. ولقد يتذرع هؤلاء وأولئك بدواعي الأمن القومي.. ولكنهم في الحقيقة إنما يسترون بذلك مثالب وسلبيات منها ما بلغ مبلغ الفضائح وفساد الانحراف وهو ما أوضحته دراسة الكاتب الأميركي بلانتون التي أشرنا اليها في ثنايا هذا الحديث. من هنا، فالحكم النزيه هو الذي يكرس مبدأ الشفافية ويفتح الطريق رحبا وراشدا إزاء حرية تدفق المعلومات.. وهو ما يكفل لأهل الوطن أن يعرفوا بهذه المعرفة الواعية.. يتمكنون ويشاركون. ـ كاتب سياسي من مصر