نواصل حديثنا حول ظاهرة التشرنق على الشهادة الجامعية.. والوقوف عندها كمحطة نهائية توقف فيها زمن البحث عن المعلومات، وجمع الموضوعات المختلفة التي كانت ملازمة لسنوات خلت ايام المرحلة الجامعية وما قبلها في فترة الدراسة النظامية التي بدت مرحلة من العمر ولت وانقضت بما فيها من مطالب واعباء تم التخلص منها بعد استلام شهادة التخرج!! لقد تم اسدال الستار على رحلة البحث الالزامي، مع استصدار حكم شخصي بأن المعلومات التي تم جمعها في تلك المرحلة معلومات كافية وكفيلة بأن تغني صاحبها من عناء تقليب الاوراق او النظر في تلك المجلدات التي تبدو وكأنها مكتوبة لأشخاص يتصفون بمواصفات لا تتطابق مع ما لديهم من قدرات يرونها متواضعة وبسيطة!! ولقد نتج عن هذا الموقف السلبي طائفة من النتائج التي اضعفت من فاعليتهم، وقللت من النتائج المترتبة على اعمالهم نتيجة غياب روح الابتكار والتجديد التي يتمتع بها اولئك الذين يضيفون الى عقولهم مكاسب معرفية جديدة، ويستثمرون مواردهم الذاتية في مضاعفة رصيدهم من المعلومات القادرة على تحسين ادائهم الوظيفي، والارتقاء بمستوى العمل الذي بين ايديهم. ومن شأن القاريء الجيد ان تتوفر له مع مرور الزمن القدرة على نقد ما يقرأ، واتخاذ موقف خاص من كل ما تقع عليه عيناه من بضاعة فكرية تختلف في مادتها ويتباين مستواها من الجودة العالية الى المستوى المتوسط او المنخفض دون ان يشعر بالعجز عن الحكم عليها وبالتالي الاعتقاد بها ثم تمثلها والدفاع عنها كمرحلة نهائية لتلك العلاقة المتفاعلة التي يتحول فيها القاريء بالتدريج من موقف الاستكشاف والتعرف الى موقف الحكم واصدار رأي يعبر عن مسئولية حقيقية تجاه اكوام الاوراق التي توفرت بين يديه. هذه العلاقة الحية وتلك النتائج اللافتة والمرضية يقابلها حالة من التشتت الذهني، والضعف في الاختيار بين الافكار المتعارضة وهو ما قد يوقع اصحابها المخاصمين للثقافة الجادة في مواقف سلوكية او فكرية تسحب من رصيدهم الاجتماعي وتعرضهم لاختيار المواقف الاضعف دون تمييز او وضوح. ففي حين يمتلك القاريء النشط القدرة على نقد المقروء والمسموع والمرئي يصعب على سواه من المجاهرين بالخصومة للكتاب والكتّاب ان يمارسوا هذا النوع من «النقد الموضوعي المحتكم الى المعيار» وهو ما يجعلهم سلبيين وفي منأى عن ممارسة ادوارهم النقدية لما يشاهدونه من عروض اعلامية هزيلة يستقبلونها بكل حفاوة، وينزلونها منزلة الضيف العزيز، دون ان يتهيء لهم رصيد من الثقافة النظيفة التي تحضهم من ذلك الاندفاع المحموم نحو الافكار المبتورة التي لا تستند الى جذور حية، ولا الى ارضية يمكن القبول بها. اضف الى «انتفاء القدرة على ممارسة النقد» نتيجة اخرى تتبعها بالضرورة والتجانس وهي الجهل التام او شبه التام برموز الحركة الثقافية والنماذج العلمية والفكرية ممن توفر لديهم نصاب كاف من الوعي والمعرفة، ورشحهم المجتمع بأفراده النابهين، وبهيئاته ومؤسساته ليكونوا نخب التأثير والبناء والفعل الايجابي الذي يستهدف الانسان عقلا وروحاً وعاطفة وضميراً، ليعالج في الانسان ضعفه وخوفه وقلقه، ويجيبه عن تساؤلاته وحيرته، ويفتح له الطريق للعلم والمعرفة القادرة على ان تنقله من عالم السكون والجمود الى موقف الفعل والعمل والحركة. وبما ان هذه الوثبة الحضارية التي ينادي بها رموز الثقافة المسئولة مادتها الانسان، وهو هدفها الرئيسي، فهي تضع في اعتبارها ان تزويده بالمعرفة وتسليمه مفاتيح الحكم على الافكار والآراء ما هو الا مرحلة اولى من مراحل السير به نحو تحقيق مشروع النهضة الشاملة التي ترتكز على الانسان، وتنطلق من خلاله. وحين تغيب معرفة اسماء الرموز العلمية والثقافية عن جماهير غفيرة من الناس، فكيف اذن ستتحقق النهضة ويكون البناء ومن بأيديهم شعلة الانطلاق مجهولون اسماً ومكانا وموقعا علميا من قبل تلك الافواج التي رضيت بذلك الجهل، وكرهت ان تحمل على كاهلها مسئولية الاندماج مع افكار الرواد والارتباط بهم، والتجاوب مع ما يطرحون ويقدمون من رؤى ومفاهيم تكفي لتضع اقدام تلك الجموع على الطريق الصحيح. واذا كان لكل فعل نهضوي جنوده وحماته، وبنائيه فان غياب تلك الجموع عن اداء هذا الدور، والتشرنق على معلومات قديمة مستهلكة هو انتحار للمعرفة، ووأد للحقيقة، واهدار للزمن الذي لم يعد يسير في صالحنا.