رحم الله أيام «بمبة كشر» و«تحية كاريوكا» و«سهير زكي» و«سامية جمال».. وغيرهن من عشرات الراقصات خالدات الذكر اللائي ازدهرن وازدهر عصرهن أيام كانت دولة «العوالم» ذات سلطان وصولجان، وكانت راقصات ذلك العصر تفتح لهن القصور.. يرتمي تحت اقدامهن الأثرياء والكبار وذوو المناصب، وحين كانت الأفلام العربية لا يخلو مشهد منها من راقصة أو أكثر، وحين انبرى منتجو هذه الافلام للدفاع عن (شرف) الراقصات.. وشهامة الراقصات، بل ووطنية الراقصات اللواتي كن دائما عنصرا ايجابيا في الحركة الوطنية لمقاومة الاحتلال كما اكدت لنا هذه الأفلام..! كان هذا في زمن «العوالم» كما قلت، حتى ولى أو كاد هذا الزمن لنستقبل زمن (العولمة) الذي ملأ فراغ «العوالم» وزيادة، وكما كان لزمن (العوالم) راقصاته ونجومه، فقد جاء زمن (العولمة) براقصاته ونجومه ايضا، وإن اختلفت مفاهيم الرقص وادواته مع ثبات جوهره وأهدافه، فبقي الرقص رقصا.. ولكن بدلات الرقص التقليدية اختفت وحلت محلها (بدلات) أنيقة، تستر الراقصين شكلا.. وإن كانت لا تسترهم موضوعا، وتحولت كباريهات زمان بزبائنها وجرسوناتها ومشروباتها إلى (كباريهات) سياسية تدار بنفس عقلية كباريهات زمان ولكن بأساليب (حضارية) تلائم عصر العولمة ونجومها الكبار..!! راقصات (الكباريه السياسي) ـ ولو أنهن جميعا رجال ـ رقصن أو رقصوا على كل الحبال، وجمعوا (النقوط) التي سميت في عصر العولمة (معونات)، وانتقلوا من كباريه الى كباريه، وما دام رب البيت بالدف ضاربا وبالرقص قائما، فشيمة أهل البيت (كما يؤكد المثل المعروف) كلهم بطبيعة الحال الرقص، ومن شابه رئيسه او زعيمه فما ظلم، وهكذا تفشت ظاهرة الرقص السياسي والرقص الاعلامي والرقص الثقافي في كل بلد، ومادام رئيس أو زعيم البلد لم يخجل من الرقص أمام أميركا فلماذا لا يرقص اتباعه ومشاركوه في الحكم وفي الاعلام وفي المصالح، ولماذا لا يتنافس كل هؤلاء في فنون الرقص بكل ألوانه، حتى ينال الحظوة لدى الراقص الأول والمعلم الأول، بل قد ترشحه مهاراته في الرقص لدى صاحب الكباريه العالمي الأوحد ليتولى يوما ما قيادة الرقص في بلاده اذا اثبت انه أهل لذلك، خاصة عندما يترهل راقص الدولة ويصبح غير قادر على الرقص بالشكل الذي يرضي صاحب الكباريه الأميركي الاوحد..! وكما هو الحال في مهنة الرقص التقليدي، حيث لابد لكل راقصة من «طبال»، فكذلك مهنة الرقص السياسي في زمن «العولمة» فقد اصبح لكل راقص كبير اكثر من طبال واكثر من زمار، بعضهم يطبل اعلاميا سواء كانت طبلته صحيفة او برنامجاً في التلفزيون او شعرا يتغنى فيه برشاقة راقص البلاد الأول وبخفته في الرقص.. وبتفوقه في هز الوسط على كل من سبقوه، والبعض الآخر يزمر في اغنية «تسمى وطنية» أو في نشيد في مناسبة ارتقاء راقص البلاد عرش الرقص، جوقة كاملة من المطبلين والمزمرين يأكلون عيشهم من الطبل والزمر لكل راقص كبير، وينتقلون بطبولهم ودفوفهم ومزاميرهم من راقص الى من يخلفه في الرقص، فهم مخلصون لمهنتهم قبل ان يكونوا مخلصين للراقص ذاته، فالراقص زائل.. والطبل والزمر مسيرتهما لا تتوقف بتغيير هذا الراقص أو ذاك! واذا كان لراقصات زمان من فضيلة فهي انهن جميعاً كن لا يخجلن من مهنتهن بل تتفاخر الواحدة منهن بأنها راقصة زمانها و«اسطى» أوانها، اما راقصو عصر العولمة فهم يخفون حقيقة ما يمارسون متصنعين الجدية والوقار، فاذا ما انفردوا بصاحب كباريه واشنطن الاكبر خلعوا برقع الحياء مع كل البراقع الاخرى و.. «هات يا رقص»!، فاذا ما انتهت وصلة الرقص اسرعوا بارتداء البراقع كلها ليخرجوا بوقار الاتقياء، مطلقين على ما فعلوه داخل القاعة المغلقة مسميات من نوع «محادثات ثنائية.. لشرح ابعاد القضية» أو «لقاءات ودية.. لبحث العلاقات الاخوية».. أو «قمة عاجلة». لبحث القضايا الآجلة، وان كان العالم كله يعلم.. وشعوبهم تعلم حقيقة انهم رقصوا.. وحقيقة انهم برعوا في الرقص.. وحقيقة ان بقائهم في الحكم مرتبط بمهارتهم في الرقص.. وبالحفاظ على نشاطهم وبراعتهم مهما بلغ بهم العمر ومهما ترهلت اجسامهم وانتفخت كروشهم.. وإلا فالراقصون المنتظرون اكثر من الهم على القلب.. وكلهم مدربون و«ستاند باي» عند أول اشارة ومستعدون لهز وسطهم في أي وفي كل اتجاه!!