نعم.. هناك أخبار تنزل على مسامعك كالصاعقة تشل تفكيرك بل وتزلزل كيانك فلا تعي ما حولك لدرجة تفقدك الإحساس بالمكان والزمان بل وربما كل شيء.. هذا بالفعل ما أحسسناه وشعرنا به ونحن نسمع خبر رحيل شاعرنا الكبير حمد خليفة أبو شهاب الذي وافاه الأجل المحتوم فرحل عنا دون وداع، ليكون فراق من نحبهم ونعزهم قدراً لا نستطيع تغييره أو حتى تأجيله. حمد أبو شهاب كثيرون عرفوه شاعراً كبيراً أفنى عمره في الاهتمام بالشعر الشعبي وحمايته من كل ما شأنه أن يشوب هذا الموروث، وكثيرون كذلك ألفوه رجلاً طيباً كريم الاخلاق دمثاً، وهذا حالنا معه إذ اعتدنا رؤيته وهو يهل إلى صالة التحرير بيده خيزرانه الذي لم يكن يفارقه فيقضي في كل ركن من أركان الصالة ساعة من الزمن يوزعها بين المحررين والمحررات والزملاء والزميلات في القسم الفني وهو ينثر دعاباته بينهم تكون القصائد الشعرية التي كان يحفظ الكثير منها هي سيدة الموقف، حتى إذا انتهى من هذه الجولة اتجه إلى الأعلى حيث رفاقه الشعراء في الزميلة «الصدى». جلساته تلك لاتزال تتراءى أمامي، وأتذكر بوضوح شديد تلك الجلسة المطولة التي جمعتني به قبل سنين في صالة التحرير تحدثنا طويلاً في كل شيء كانت الأسماء من بين هذه الأشياء، وذكر من ضمن ما ذكره اسمي الذي قال عنه إنه رغم ندرته في منطقة الخليج لكنه شائع في المغرب العربي، ثم ألقى بعض القصائد الجميلة حول هذا الاسم. وقبل أن يذهب لم ينس ان يذكرني بأني كتبت عنه كلاماً جميلاً في عدد «البيان» الصادر يوم 22/4/1990 بمناسبة اختياره شخصية العام الثقافية لعام 1989م من قبل ندوة الثقافة والعلوم بدبي. أجبته إن ذلك كان في بداية حياتي المهنية وكنت وقتها حديثة التعيين في «البيان» ولاشك اني لم استطع أن أوفيه حقه.. ابتسم وذهب... وفي اليوم التالي أقبل عليّ تسبقه ابتسامته المعهودة وهو يحمل بين ذراعيه مجموعة من دواوينه الشعرية من بينها «أريج السمر» الذي يحوي اشعاره وأشعار صديقه حمزة أبو النصر، وكتاب بعنوان «حمد خليفة أبو شهاب شاعر وتقدير» لمؤلفه حمزه أبو النصر الذي تطرق في هذا المؤلف لما كتبه عن أبي خليفة. وفي يوليو الماضي وكنت في إجازة تلقيت منه مكالمة بدأها بعتاب رقيق لعدم اتصالي به.. وأخذنا الحديث وضحكنا كثيراً وهو يطلق تعليقاته الدعابية عندما سمع «قرقعة» الأواني حيث كنت وقتها في المطبخ أعد طعام الغداء. وقبل أن ينهي مكالمته قال إنه مسافر بعد عدة أيام وتحديداً يوم الرابع من أغسطس لم أسأله عن وجتهه فهي معلومة للجميع إنها سويسرا التي لطالما عشقها ولم يقطع عادة السفر إليها، لكني سألته عن موعد العودة فكان الرد: «لا أعلم بالضبط كم سأغيب، لكن على كل حال لن أطيل..» هكذا وعد.. وأي وعد... انتهت اجازتي وعدت إلى العمل فإذا بأجواء من الحزن تسود «البيان» وعلمت من الزملاء ان «أبو شهاب» سقط أسير جلطة جديدة والكل يدعو له بالنجاة. الأخبار القادمة من جنيف عن صحة حمد أبو شهاب كانت مطمئنة وتدعو للتفاؤل والآمال بعودته من جديد كما كان أيضاً كانت كبيرة، ولكن فجأة سمعنا ما لم نحسب له وما لم نكن نود أو حتى نتوقع سماعه، لكنه المكتوب الذي لا نملك حياله سوى الرضوخ وترديد «إنا لله وإنا إليه راجعون» وإلى جنة الخلد يا أبا خليفة.