ألفيته قصيدة من التواضع الجم، بل قل معلقة ينتشي المكان منها عبيرا وتعبيرا، ويزهو الزمان بها ألقا وتألقا. في مآثر الفقيد الشاعر الكبير حمد أبو شهاب مشاعر جياشة يستعصي على المداد وصفها، لانه وحده الشاعر الجزل الذي لا يشق له غبار، الأقدر على نظمها ابياتا مقفاة، ورسمها لوحة من الشاعرية والاحاسيس الوجدانية. كان رجلا مناضلا بالكلمة والرأي والجهد في سبيل توصيل رسالته، ودحض الادعاءات القائلة بأن الشعر الشعبي غارق في الاقليمية، فأسس بمدرسته الشعرية الأصيلة منهاجا للشعر وأثبت ان في اللهجة المحلية كنوزا وينابيع تنضح دفقا وعطاء، وانه رغم كل ما جادت به قرائح الرواد السابقين من بليغ الوصف، لم يزل في الجعبة الكثير من درر البلاغة والفصاحة. أبو شهاب وضع خطاً فاصلاً بين الشعر وما سواه، فكان خير معلم للاجيال، حتى باتت صفحته الشعرية في صحيفة «البيان» مقياسا للعمل الشعري المتميز، ومطلبا يحلم كل شاعر ان يجد عبرها نافذة للنشر، ومنها يدرك الشاعر نشازه وانه باستبعاد قصيدته قد رسب في الامتحان. يوم ان تأبط القصيدة، وهو لا يلوي على ثرثرة، جاء شعره عذبا ينساب نغما رقراقا، ولغة تمتزج حرقة وتوهجا، شأنا وشجنا، فتشرئب ذواتنا منه حبا وكرامة. عرفته أبيات غزل، يغزل المفردات مفردة مفردة، وعنوانا لكل قصيدة، وابا روحيا يدين له كل من وفّى الشعر حقه. كزهر باش يتفتق على غصنه، كان «أبوشهاب» يحيينا ببشاشة قلبه وابتسامة ثغره، فيخفق الفؤاد له طربا، وتنتشي النفس بسنا محياه. لقد تناغم شعره مع وجدان المجتمع، فانسل غزلا جزلا رقراقا شفافا حتى ادرك التخاذل في الزمن الصعب فعبر عنه بقوة حتى كان الرحيل ليترك أثرا لا يمحى في وجدان كل انسان عربي. إذا كنا نستقي التعابير لمشاعرنا ففي قصائدك عزاؤنا، وإن تمردنا على هذه المشاعر فاننا نقتدي بك فأنت مارد القصيد. لقد مرت بنا الأوقات الجميلة عجلى، وهكذا حال الدنيا، أوقاتها السعيدة قصيرة لا تدوم، وكما علمتنا فان الاحداث الكبرى التي تهز المجتمع وتغيره تغييرا جذريا تترك اثرها في كل شيء، وتطلق المجال فسيحا للابداع الجميل، فغفر الله لك.