سيقول الأميركيون، عن الموقف العربي المناهض بقوة للعدوان المتوقع في أية لحظة على العراق، انه موقف رومنسي أو حتى شوفيني، أو ربما مجرد تعبير عن عداء غير مبرر للولايات المتحدة. ينطلق هذا القول من نمطية مسبقة في النظرة الأميركية لكل ما هو عربي، فضلا عن النظرة الأميركية لكل ما هو موقف عربي من السياسات الأميركية (والاسرائيلية) المعادية دوما للعرب والتي لم تأخذ يوما في الاعتبار عدالة أي من قضاياهم أو أحقيتها. ولا يهم، موضوعيا، ما يقوله الساسة الأميركيون وبخاصة منهم رجال الادارة الحالية برئاسة جورج بوش، ولا حتى ما تقوله اجهزة الأعلام ومراكز الدراسات والابحاث التي تقوم بصياغة بل وبغسل ذهنيات ومواقف الرأي العام، الا بقدر ما تشكل أقوالهم دليلا كافيا على السياسات الموضوعة من قبل واشنطن وعلى النيات المبيتة لديها تجاه المنطقة، بكل ما تعنيه هذه المنطقة من تاريخ ثقافي ومن موقع استراتيجي ومن قوى بشرية ومن خامات لا تزال للآن مصدر الطاقة شبه الوحيد لحضارة العالم الحديث. ولا يهم حتى ما يقوله الأميركي العادي، بعد أن تعرض على امتداد عقود لعمليات غسل دماغ متواصلة بالنسبة للعرب، سواء عن طريق التشويه المتعمد او بسبب النفوذ الصهيوني في الادارة والكونغرس والمؤسسات الاعلامية أو (لنملك جرأة الاعتراف!) نتيجة الغياب العربي شبه الدائم عن التعامل الطبيعي مع النسيج الثقافي والفكري والانساني للمجتمع الأميركي. ولا يهم أخيرا حتى ما يقوله الأوروبيون، او بعضهم، عن تحفظات لهم على العملية العسكرية ضد العراق والتي تقول الادارة الأميركية انها واقعة حتما الا ان موعدها لم يتحدد بعد، ولا ما يقولونه عن أسباب هذه التحفظات من ناحية وعن مصالحهم السياسية والاقتصادية مع العراق ومع المنطقة من ناحية ثانية، على أهمية الموقف الأوروبي بالنسبة للعرب في هذه المرحلة وبخاصة في المستقبل. تداعيات خطيرة المهم هو البعد السياسي، ناهيك عن البعد الأستراتيجي، لأي عدوان عسكري أميركي على العراق، سواء تم هذا العدوان في الشهورالقليلة المقبلة كما تؤكد الادارة الأميركية أو لم يتم، وحتى البعد السياسي للادعاءات التي تبرر بها هذه الادارة عدوانها. تلك هي القضية الأساس، ليس عراقيا وبالتالي عربيا فقط، ولا حتى أميركيا وأوروبيا فقط، وانما أولا وقبل كل شيء على المستوى السياسي الدولي، ناهيك عن تبعات ذلك وتأثيراته المباشرة على صعيد العلاقات بين البشر كأفراد وكمجموعات فضلا عن تشكيلاتهم في دول وتجمعات دول. هذه القضية الأساس تتكشف عمليا منذ الآن، بل هي تعلن عن نفسها جهارة، من خلال العناصر الآتية: أولا: لا يجد الرئيس الأميركي جورج بوش ما يقوله عن الأسباب التي تدفعه لشن عدوانه المسلح على العراق الا انه «لا يثق» برئيس هذا البلد صدام حسين، وأنه يريد استبداله برئيس آخر يكون مقبولا و «موثوقا» من واشنطن، بصرف النظر عن موقف الشعب العراقي منه. بعض الفئات العراقية المعارضة للنظام في بغداد، والتي تتفق مع الادارة الأميركية في موقفها من صدام، هي التي يتم التشاور معها عشية العملية العسكرية، ولكن ليس حول مستقبل العراق ونظام الحكم فيه مثلا وانما حول اجراءات العدوان والأسلحة التي يمكن استخدامها والقواعد التي تنطلق منها الطائرات المغيرة والمناطق التي ستتمركز فيها قوات الأحتلال في اجتياحها لأراضي العراق الخ... في تبرير «اللاثقة»، يقول بوش تارة ان النظام العراقي حاول في الماضي - وربما يحاول الآن ايضا - تطوير أسلحة دمار شامل تحظرها قوانين الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة. الا انه يتناسى، عامدا متعمدا، ترسانات كبيرة جدا من أسلحة الدمار الشامل تملكها دول وأنظمة حكم أخرى في العالم، حتى اذا استثنينا الدول الخمس الكبرى التي تملك مثل هذه الأسلحة وتملك اضافة اليها حق الفيتو في مجلس الأمن الدولي نتيجة لما انتهت اليه الحرب العالمية الثانية. في مقدمة هذه الدول تأتي اسرائيل التي لا تمتلك أسلحة دمار شامل فقط، بل هي تستخدم قدراتها النووية لأدامة احتلالها الأراضي العربية خرقا لمئات القرارات الدولية التي تطالب بانهاء الاحتلال. ثم تأتي بعد ذلك دول أخرى مثل الهند وباكستان اللتين اجرتا على مرأى ومسمع من العالم كله، وطبعا من الولايات المتحدة نفسها، تجارب نووية ناجحة في الأعوام الماضية، اضافة الى كوريا الشمالية والبرازيل وغيرهما. وفي سياق التبرير ايضا، يقول بوش تارة أخرى ان صدام حسين يهدد بأسلحة الدمارالشامل هذه (بغض النظر عن مدى صحة وجودها لديه) الدول المجاورة للعراق، وحتى الشعب العراقي نفسه، مع أن أية دولة من دول الجوار - في ما عدا اسرائيل طبعا التي تمتلك اكثر من مائتي قنبلة نووية بحسب المصادر الأميركية والتي لا تزال تحتل الاراضي العربية خلافا لقرارات الشرعية الدولية والأمم المتحدة - لا تؤيد الولايات المتحدة في مقولتها عن التهديد العراقي. فهذه الدول (الاردن وسوريا وايران وحتى تركيا) ترفض علنا ادعاءات واشنطن عن التهديد العراقي بل ان معظمها يرى في العدوان على العراق عدوانا عليه. أما الكويت، فمع أن لها تجربة مرة مع العراق من خلال اجتياح العام 1990، فانها تحمل صدام ونظامه مسئولية ما حدث الا انها مع ذلك تقول علنا انها تفضل تغيير النظام في بغداد ولكن باسلوب مختلف عن ذاك الذي تتحدث عنه ادارة بوش في المرحلة الحالية. ويقول بوش، تارة ثالثة، ان نظام صدام أقام في مرحلة سابقة علاقات مع تنظيم «القاعدة» ومع زعيمه أسامة بن لادن، وأنه حتى كان يعلم مسبقا بعملية الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك وواشنطن، وربما شارك بشكل ما فيها. وعندما يعجز الرئيس الأميركي عن تقديم دليل حسي، وحتى مجرد اتهام ظني بذلك، فانه لا يتراجع عن التهمة بل يبقيها سيفا مسلطا على الرؤوس (رأس العراق ورأس غيره) يستخدمه ضد الجميع حين يشاء وكيف يشاء، مرة تحت شعار محاربة «الارهاب» ومرة اخرى في سياق «محور الشر» الذي اخترعه وحدد اضلاعه، ومرة ثالثة في اطار «من ليس معنا فهو ضدنا» الخ.. حتى اذا أعوزته الحجة، تذرع بقرارات مجلس الأمن الدولي حول لجان التفتيش عن الاسلحة العراقية ثم بموقف بغداد منها، بعد الشبهات التي أثيرت حول المهام التي قامت بها في السابق، برغم اعلان النظام العراقي أخيرا ترحيبه بعودة اللجان لاستئناف عملها ولكن بشرط أن يتم تحديد دقيق لطبيعة عملها فضلا عن تحديد موعد لانتهائه. دكتاتورية عالمية ثانيا: للمرة الأولى في التاريخ الحديث، تعلن دولة من دول العالم (الولايات المتحدة هذه المرة) بصراحة تصل الى حد الوقاحة انها تريد تغيير أنظمة الحكم في دول أخرى (العراق هنا) بأية وسيلة متاحة لديها وبالقوة المسلحة اذا لزم الأمر... بعد أن فعلت الشيء ذاته في أفغانستان وعينت موظفا في احدى شركاتها الكبرى، حميد قرضاي، رئيسا للبلاد قبل شهور، وبعد ان فرضت - او هي تكاد - «قيادة» جديدة للسلطة الوطنية الفلسطينية تتعامل معها من دون قيادتها المنتخبة برئاسة ياسر عرفات. في القرن الحادي والعشرين يعني هذا المعطى، في حال السير به الى النهاية، واقعا جديدا في السياسة الدولية وفي العلاقات بين الدول والحكومات أساسه فرض الرأي الواحد (وأي رأي في هذه الحالة؟!) على أنظمة الحكم وعلى الشعوب في العالم، ناهيك عن الديمقراطية التي يتغنى بها صاحب هذا الرأي باعتبارها حكم الشعب، من خلال ممثلي الشعب، لمصلحة الشعب، الى آخر المعزوفة. وعندما يكون حامل هذا الرأي حاكم «الدولة العظمى الوحيدة في العالم»، ويكون توازن القوى يميل بصورة كاملة لمصلحة هذه الدولة بعد اعلان انتهاء ما كان يوصف بالحرب الباردة وسقوط قطب التوازن العالمي الآخر، وتكون لهذه الدولة مصالح تعتبرها «حيوية» لها في كل مكان من هذا العالم تقريبا، اذن فمن شأن مستقبل الكرة الأرضية كلها أن يتأثر سلبا بالرياح التي تهب من هذه الدولة. لم تكن الدول وأنظمة الحكم فيها والتجمعات البشرية على اختلافها، وصولا حتى الى القبائل والعشائر البدائية، منفصلة بالكامل أو معزولة احداها عن الأخرى في يوم. والتاريخ القديم، كما الحديث، شهد الكثير من عمليات التغيير والتبديل في الدول وأنظمة الحكم بدعم مادي او معنوي أو حتى مؤامراتي من دول وأنظمة حكم أخرى. الا ان الجديد هو هذه الحرب العسكرية المعلنة من قبل الولايات المتحدة، والتي لا دليل على أنها لن تتوسع لتشمل العالم كله في يوم ما، تحت عنوان العمل على استبدال انظمة الحكم وتغيير الحكام في الدول الأخرى. والجديد الأهم هو أنه اذا اعترض أحد على هذه السياسة، أو أقله على كونها سياسة معلنة بوقاحة عز مثيلها، فالرد الأميركي بلسان بوش نفسه بات أكثر من واضح ومعلن بدوره : «من ليس معنا فهو ضدنا». ثالثا: تردد دائما، وعلى مر التاريخ، تعبير «شريعة الغاب» للتدليل على هيمنة الأقوياء على غيرهم من الأقل قوة أو الضعفاء في الغابة. وكان التعبير اشارة الى أن مثل هذه «الشريعة»، اذا كان من الجائز اطلاق هذا الوصف عليها، قد انتهت بدخول العالم والعلاقات بين الأفراد والدول مرحلة سيادة التشريع والقانون، سواء منه الالهي أو الوضعي، فضلا عن المبادئ التي تحترم رأي الشعب المحكوم في اختيار نظام الحكم الذي سيخضع له ويقبل شرائعه وقوانينه والتي تعتمد ما وصف منذ ذلك التاريخ بالديمقراطية السياسية على اختلاف التفسيرات وحتى الصيغ المعطاة لها. هذا التعبير هو الذي يبدو واضحا جدا أنه يجسد عمليا، وليس نظريا فقط، السياسة المتبعة من قبل الادارة الأميركية الحالية في تعاطيها الراهن مع قضايا العالم على تعددها سواء منها السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية أو المالية وصولا حتى الى القضايا الثقافية والأجتماعية والبيئية على امتداد الكرة الأرضية. ولا يعني تجاهل هذه الادارة لآراء دول العالم الأخرى، ناهيك عن النقد الموجه لسياساتها العدوانية والداعمة لقوى الاحتلال والعدوان، الا انها تتسلح بقواها العسكرية والاقتصادية فضلا عن الصناعية والتكنولوجيا والعلمية لاعادة فرض «شريعة الغاب» على غيرها من الأطراف في «الغابة» الجديدة، وان بأسلوب يختلف شكلا عن أسلوب أسد الغابة القديمة في فرض سيطرته على غيره من المخلوقات. في حالة العراق الآن، كما في حالة أفغانستان في السابق اضافة الى حالات أقل خطورة مثل الموقف الأميركي من بروتوكول كيوتو الخاص بالبيئة مثلا ومؤخرا من المحكمة الجنائية الدولية (لا نتحدث هنا عن التغطية الكاملة لجرائم ارييل شارون ضد الشعب الفلسطيني)، لا توصيف أكثر دقة للسياسة التي تنتهجها ادارة بوش من القول انها سياسة «شريعة الغاب» البالية في القدم اياها شكلا وموضوعا. ـ كاتب لبناني