قبلت الحكومات العربية القصص الملفقة التي نسجها خبراء مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي وتجاوبت بحماسة مع ما بني عليها من اجراءات باطلة اتخذتها ادارة بوش. والآن تدفع الحكومات العربية ثمن هذا التجاوب المتعجل. هذا هو المغزى الاكبر الذي يمكن استخلاصه من تلك الدعوى القضائية التي رفعتها مجموعة من 600 شخص أميركي من اقرباء ضحايا تفجيرات 11 سبتمبر ضد حكومات ومسئولين كبار ومؤسسات مصرفية وخيرية وافراد في العالم العربي. واستنادا الى ان تنظيم اسامة بن لادن المعروف باسم «القاعدة» هو المسئول عن تدبير وتنفيذ تفجيرات نيويورك وواشنطن التي أودت بحياة آلاف، فان اصحاب الدعوى يطالبون بتعويضات ذات ارقام فلكية تناهز الاف المليارات من الدولارات (مما يجعل التعويضات المطلوبة من ليبيا بواسطة اسر ضحايا حادثة لوكربي تبدو بالمقارنة وكأنها «لعب عيال»!). والاساس القانوني الذي بنيت عليه الدعوى هو ان الحكومات والمسئولين والمؤسسات المصرفية والخيرية والافراد العرب، مسئولون عن تمويل تنظيم «القاعدة».. كل بطريقته. والمسألة في اجمالها تبدو كتلفيق متأخر بني على تلفيق مبكر، ولو ان الحكومات العربية رفضت التلفيق المبكر في حينه ـ على أسس قانونية صرفة وليس سياسية او ايديولوجية ـ واتخذت ازاءه موقفا موضوعيا حازما، لما وجد اصحاب الدعوى ومحاموهم شيئا ينسجون ادعاءهم على منواله. ولنعد الى بداية القصة في 11 سبتمبر العام الماضي. لم تمض عشر دقائق على حادثة تفجير مبنى مركز التجارة العالمي في نيويورك، حتى أعلنت قناة «سي ان ان» على لسان مسئول أميركي لم تسمه ان تنظيم ابن لادن هو غالبا المسئول عن الحادثة. تلك كانت نقطة الانطلاق لسلسلة طويلة من ادعاءات وتلفيقات تتفاعل حتى يومنا هذا. لكن الاعجب انه على اساس قصص مختلقة او مبالغ فيها خارج حدود المعقول تماما، اتخذت على صعيد الادارة الأميركية اجراءت كاسحة بلغت ذروتها في شن حرب ضد شعب مسلم والاطاحة بنظامه. وكان من بين هذه الاجراءات الكاسحة المبنية على اساس باطل دمغ مؤسسات عربية واسلامية ـ بينها جمعيات خيرية وهيئات اغاثة ومصارف ـ بتمويل الارهاب، ومن ثم وضع هذه المؤسسات على قوائم سوداء واتخاذ عقوبات ضدها من بينها تجميد الأموال المصرفية. بسرعة مذهلة استثمرت الادارة الاميركية مناخ الهستيريا الذي أفرزته تفجيرات سبتمبر لتوسيع حربها على المؤسسات الخيرية العربية والاسلامية بنقلها الى المستوى الدولي كأحد بنود الحرب على الارهاب. وبينما تحفظت حكومات أوروبية عن التجاوب مع الاجراءات الأميركية العقابية ضد هذه المؤسسات، فان الدول العربية لم تتردد في التجاوب معها. ومن سخرية الاقدار ان تنهض الآن مجموعة من الافراد الاميركيين لاستغلال هذا التجاوب العربي قانونيا ضد العرب انفسهم، انطلاقا من دوافع ابتزازية. لكن يبقى سؤال: ما مدى شرعية الدعوى القضائية المرفوعة؟ وهل تصمد في المحكمة؟ ان من الواضح حتى لغير الاخصائيين القانونيين انها دعوى بلا اساس على الاطلاق. ذلك انه لكي يثبت محامو اصحاب الدعوى ان المؤسسات والشخصيات العربية المشار اليها اتت فعلا اجراميا بدفع اموال الى تنظيم «القاعدة»، فان عليهم ان يثبتوا اولا بالادلة القانونية القاطعة ان هذا التنظيم هو المسئول فعلا عن تفجيرات نيويورك وواشنطن تدبيرا او تنفيذا. حتى هذه اللحظة وبعد 11 شهرا من احداث سبتمبر 2001 لم يصدر حكم قضائي اطلاقا بادانة «القاعدة» او زعيمها او اي احد من اعضائها، بالرغم من الضجة الدعائية التجريمية.. لانه ببساطة لم تتوافر لدى اجهزة الامن الاميركية حتى الآن اي ثقة او جرأة موضوعية لتقديم احد الى المحاكمة او حتى مجرد توجيه اتهام قانوني الى احد. فالمعتقلون يبقون حتى الان مجرد «مشتبه بهم». واذا كانت الدعوى المرفوعة باطلة قانونيا فإنها مع ذلك لا تخلو من عظة سياسية. فهل تتعظ الحكومات العربية؟