منذ فترة لا يستهان بها من الزمن، بدأ تفكير بعض الفلسطينيين بضرورة خلق تفاهمات سياسية ـ أمنية، بهدف شرعنة المقاومة الفلسطينية ولو جزئياً، أسوة بالتجربة اللبنانية التي أثبتت نجاعة فائقة في ادارة الصراع مع الاحتلال ، على أرض الجنوب اللبناني خاصة بعد توقيع اتفاق التفاهم الذي سمي بـ «اتفاق تفاهم نيسان». بل أكثر من ذلك أن بعض الدول العربية دعمت هذا التوجه الفلسطيني سعياً للتوصل الى تفاهم فلسطيني ـ اسرائيلي من شأنه وقف أو تخفيف الدمار والقتل عن المدنيين الفلسطينيين في مخيماتهم وقراهم ومدنهم، وبما يؤمن ديمومة واستمرار المقاومة داخل الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين. ولعل هذه القضية قد أصبحت الشغل الشاغل بعد مذابح جنين ونابلس للفلسطينيين والعرب، ليس انطلاقاً من مفاهيم تقنية الصراع الدائر على الأرض الفلسطينية وحسب، بل وانطلاقاً من مفاهيم سياسية قد ترسي حالة من الاعتراف الاسرائيلي المعلن أو المقنع باحتلاله للأراضي الفلسطينية العام 1967. لكن هذه المحاولات الدؤوبة والصادقة أيضاً، تجاهلت على ما يبدو حقائق الزمان والمكان، عندما فكرت مجرد تفكير طيب في محاولاتها خلق أو ايجاد مثل هذه التفاهمات. فالمكان مختلف جداً ما بين الجنوب اللبناني الذي بقيت اسرائيل تعترف به على أنه أرض لبنانية، وأن الدويلات التي خلقتها فيه هي دويلات لبنانية بصرف النظر عن وجهة نظرنا بها حدادية كانت أم لحدية، أما أراضي الضفة تحديداً فهي تعتبر جزءاً من أرض الميعاد بالنسبة للاسرائيليين التي منحها الرب يهوه لهؤلاء المستوطنين منذ ثلاثة آلاف سنة وما يزيد. والزمان كان بكل تأكيد غير ذاك الزمان، حيث تغيرت المفاهيم والقيم، وحتى المقولات، بحيث ما كان في تلك الحقبة الغابرة يسمى مقاومة، أصبح في هذه الأيام، خاصة بعد أحداث 11سبتمبر يسمى ارهابا، دون أية تفسيرات أو تأويلات أخرى. قياس مختلف أي أن ما ينطبق على لبنان لا يمكن اعتباره ولا بأي شكل من الأشكال أداة قياس فلسطينية، حتى قبل أحداث سبتمبر، وأن فلسطين بالنسبة للاحتلال تعتبر كما أسلفنا «ارتس اسرائيل»، حتى من وجهة نظر الحليف الأكبر المتمثل بالولايات المتحدة الأميركية، فهو يرى ان هذه الأرض هي أرض اسرائيل، وأن الضفة الشرقية أعطيت للعرب نتيجة لكرم الأخلاق الذي يتحلى به الشعب اليهودي الطيب، الذي يسعى لخلق حالة من حسن الجوار مع محيطه المتوحش ليس الا. بالاضافة لذلك، لا بد من الملاحظة أو الاعتراف، بأن المحيط الجغرافي والحاضنة الوطنية التي وضعت بها المقاومة اللبنانية تختلف اختلافاً كلياً عن المحيط الجغرافي الفلسطيني، خاصة اذا ما علمنا أن المحيط الجغرافي الفلسطيني مقيد باتفاقيات ثنائية مع اسرائيل تمنعه من تقديم الدعم والاسناد المادي وأحياناً حتى السياسي نسبياً، بينما المحيط الجغرافي، والحاضنة الوطنية التي أحاطت المقاومة اللبنانية برعايتها فهي متحللة من أية التزامات سياسية وأمنية تجاه اسرائيل حتى هذه اللحظة التي نعيش. وهنا لا بد من الاشارة الى أن ما يجري الحديث عنه داخل الأراضي الفلسطينية من حوارات وطنية، تستند الى صياغة تفاهم وطني فلسطيني عام يقوم على أساس اتفاق شبيه بـ «اتفاق نيسان» اللبناني، ليس سوى أضغاث أحلام مجردة من أية واقعية تذكر، خاصة وأنها تتجاوز واقع الاحتلال القائم على الأرض، وأن التمترس خلف الحوار الوطني القائم على أساس خلق تفاهمات أمنية لا يمكنه أن يخرج الفلسطينيين من أزماتهم الحادة، بل سيزيد من أزماتهم ويقلل من قدراتهم التي امتلكوها في كيفية ادارة عملية الصراع مع المؤسسة العسكرية الاسرائيلية منذ اندلاع انتفاضة الأقصى وحتى هذه اللحظة. وعلى ما يبدو أن البحث عن خلق مثل هذا التفاهم قد جاء متساوقاً مع فكرة مارتين انديك سفير الولايات المتحدة في اسرائيل سابقا، التي أكدت على التزام بوش شخصيا باحداث التغيير اللازم في فلسطين لحل النزاع الاسرائيلي الفلسطيني والذي يتطلب آلية عمل سريعة عبر فرض الوصاية الدولية على المناطق (الضفة الغربية وقطاع غزة) لثلاث سنوات انتقالية قبل اقامة الدولة الفلسطينية العتيدة باعتبار أن هذه الخطة وحدها هي التي ستعيد حالة التوازن للسياسة الأميركية مرة أخرى وسيكون بامكان صانع السياسة الخارجي (باول) أن يصمم خارطة طرق دبلوماسية تتجاوز الرباعية المؤلفة من أميركا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وروسيا، لتتوسع لتشمل الثلاثية العربي (مصر والأردن والسعودية) من اجل الوقوف على رأس المبادرة. وفي ذات الوقت سيضطر جورج تينيت رئيس ال (سي.آي.ايه)، لان يعيد تفعيل مجموعة العمل الأمنية التي يشارك في عضويتها نظراؤه من مصر والأردن في جهود حثيثة لاعادة تنظيم أجهزة الأمن الفلسطينية. وبدعم المراقبين الأميركيين والعرب يمكن لقوات الأمن هذه أن تبدأ في منع العنف و«الارهاب» الفلسطيني الأمر الذي سيفسح المجال أمام الجيش الاسرائيلي للبدء في الانسحاب من المدن الفلسطينية على مراحل. لكن شرط هذا الأمر، أن يحدث في موازاة الجهود التي تقودها الولايات المتحدة لبلورة «أفق سياسي» للفلسطينيين بحيث يوفر لهم تبريرا لاستبدال قيادتهم والتصادم مع من يسمون في المنظور الاسرائيلي والأميريي باـ «الارهابيين»، أي حركتي حماس والجهاد الاسلامي والجبهة الشعبية. أي بمعنى آخر ستضطر الولايات المتحدة لاستئناف جهودها مرة أخرى لعقد المؤتمر الدولي الذي يجدد المفاوضات الاسرائيلية ـ الفلسطينية لانشاء دولة، الأمر الذي سيقنع رئيس الوزراء شارون بايقاف توسيع المستوطنات. خيار الوصاية في اطار هذا النهج، والذي بدوره سيمكن المجموعة الدولية التي تقودها الولايات المتحدة بأن تأخذ على عاتقها زمام السيطرة على المناطق الفلسطينية التي توجد الآن نظريا تحت حكم السلطة الفلسطينية (42 في المئة من الضفة وأغلبية القطاع). أي أن يتولى المؤتمر الدولي الاعلان عن قيام الدولة الفلسطينية مع احتفاظه بالوصاية على المناطق الفلسطينية مدة لا تقل عن ثلاث سنوات، خلال هذه الفترة يتولى الأوصياء الاشراف على بناء مؤسسات الدولة الفتية الديمقراطية وانتخاب قيادتها والمفاوضات الاسرائيلية ـ الفلسطينية لتحديد الحدود الدائمة. مع وجود قوة متعددة الجنسيات بزعامة أميركية ستضطر لانتزاع المسئوليات الأمنية من الجيش الاسرائيلي والسلطة الفلسطينية في آن معاً، في كل ما يتعلق بالمهام الشرطية المتاحة لاطار الوصاية والاشراف. هذا الخيار له سابقة قد حدثت في البوسنة وفي تيمور الشرقية وفي أفغانستان، ومن المحتمل أن يطبق في العراق عما قريب أيضاً. كما أن هذا الخيار يملك أفضل احتمالية للنجاح لانه ينتزع السيطرة على الشعب الفلسطيني وعلى أرضه من أيدي عرفات والجيش الاسرائيلي ويودعها بأيدي هيئة قادرة على القيام بعمل أكثر جذرية في مساعدة الفلسطينيين في بناء مؤسسات ديمقراطية شفافة لانفسهم في الوقت الذي يدحرون فيه «الارهاب». لكن وحسب المعلومات التي رشحت عن بعض القيادات الفلسطينية بعيد عودة الوفد الفلسطيني الذي زار مؤخراً الولايات المتحدة، فان المشكلة الوحيدة هي أن هذا الأمر سيضطر أميركا وحليفاتها للتصادم مع المنظمات «الارهابية» الفلسطينية، اذا ما بقيت على موقفها، وأنه من الأفضل محاولة السيطرة على هذه المنظمات من قبل السلطة الفلسطينية، وليس من قبل الولايات المتحدة، بعد أن تعهد الرئيس الأميركي بوش للاسرائيليين بوأد «الارهاب» الفلسطيني قبل الشروع بأية خطوة سياسية مقبلة. لكن، بعد أن رفض وزير الخارجية الاسرائيلي شمعون بيريز أي عمل عسكري حتى في أراضي السلطة الفلسطينية، وطالب بضرورة وقف العمل العسكري الفلسطيني في كل الأراضي الفلسطينية باعتباره «ارهاباً»، تبقى تساؤلات عديدة دون اجابات، من نوع: ما هي الضمانات للقوى الفلسطينية مجتمعة بأن الولايات المتحدة ستنفذ تعهداتها؟ ومن سيقف بوجه المؤسسة العسكرية الاسرائيلية بعد ضرب الأذرع العسكرية لفصائل المقاومة الفلسطينية، لو نجحت السلطة في تعميم مذكرة التفاهم الفلسطينية التي تشرع اسرائيل فلسطينياً؟ ومن سيطالب بعد ذلك بقضية عودة اللاجئين الى ديارهم التي طردوا منها؟ أسئلة كثيرة تبقى في رسم صانع رجالات الظل هذه المرة المعتمدين أميركياً، وليس للرئيس عرفات الذي يحمل ما ليس له به علم أو حتى ذنب. ـ كاتب فلسطيني