هل سمعت عن ظاهرة «التشرنق على الشهادة الجامعية»؟! انها ظاهرة معروفة لدينا نحن ابناء هذا العالم، وهي تحظى بجمهور غفير من مختلف الطبقات الاجتماعية، والتخصصات الوظيفية التي نال اصحابها يوما ما شهادة التخرج من الجامعة. وحتى نفهم طبيعة الظاهرة والمناخ العام الذي كان سائداً في تلك البيئة التي افرزت هذه الحالة السلبية المحزنة، علينا ان نتذكر طريقة تعامل هؤلاء الافراد اثناء سنوات الدراسة الجامعية مع الكتب والمذكرات التي رافقتهم طيلة الفترة الزمنية التي مكثوا فيها على مقاعد الدراسة. لقد كانت العلاقة بين الطرفين علاقة ضعيفة، ومتوترة، ولا تحكمها القوانين السائدة بين العلاقات الاكثر ترابطا ومتانة!! فالتأفف من كمية الاوراق التي تصاحب كل مادة دراسية مقررة، والاستياء من البحوث التي يطالب بها استاذ المادة كانت طقوساً يومية يمارسها مثل هؤلاء الطلبة كنوع من التعبير عن رأيهم فيما بين ايديهم من مهمات علمية رأوها ثقيلة وباهظة التكاليف!! لقد اعطت الحياة فرصة لا تقدر بثمن لمئات الآلاف من الطلاب والطالبات حين تزامنت مرحلة الشباب مع مرحلة التخفف من اعباء الحياة، وتوفر الوقت للدراسة والتحصيل العلمي في سنوات المرحلة الجامعية، ولكن كأي شيء ثمين يتبخر ويختفي بين يدي من لا يعرف القيمة الحقيقية للشيء الذي يملكه تسربت تلك السنوات التي كان ينبغي ان تكون خصبة وغنية ليفضي امر الطلبة في نهاية تلك الفترة الزمنية الى نيل معدل دراسي بسيط لا يدل على الاطلاق على أن ذلك الخريج كانت له جولات موفقة مع الكتاب والمكتبة الجامعية. وشيئا فشيئاً نما جدار ثلجي لا يمكن اختراقه بين هؤلاء الافراد وبين عالم المطالعة.. ولقد تكون الجدار منذ سنوات الطفولة حين اختفى الكتاب من حياة الاسر التي لديها مثل هؤلاء الافراد، فكان يكبر مع الزمن، واستمر ـ مع الاسف الشديد ـ لدى الكثيرين الى مراحل عمرية متقدمة دون ان يستطيعوا اذابة ذلك الجليد المتكون عبر السنين الطويلة، او يفعلوا تلك العلاقة التي يشوبها الهجر والنسيان، ويلون علاقتها باللون الباهت بكل ما له صلة بالبحث والسياحة العلمية!! ولان اي مهارة لا تكتسب الا من خلال الممارسة والتدريب والتواصل، فقد تفشى الجهل مع مرور الزمن بأساليب القراءة الفعالة، وبطرق المطالعة الصحيحة، وبات في تصور البعض ان القراءة حكر على العباقرة وحدهم، او على اقل تقدير حكر على اناس لديهم قدرات ذهنية متقدمة، او لديهم جينات وراثية سهلت لهم اكتساب القدرة على السياحة بين الكتب، والتجوال بين الصفحات والاوراق. وبهذا الفهم القاصر، والرأي الخاطيء ضاعف هؤلاء من المساحة التي تفصل بينهم وبين العلاقة بالكتاب. ان التفسير المنطقي لحالة الخصومة مع الكتاب لا يتأتى بهذا الشكل الناقص الذي يغفل السبب المباشر والرئيسي وهو أن هؤلاء الافراد لم «يتمرنوا» منذ الصغر على مزاولة القراءة، ولم يتدربوا على اقتطاع جزء من اوقاتهم يوميا او اسبوعيا على اكثر تقدير ليقلبوا صفحات الكتب، ويقوموا برحلة في عقول كتابها، ويمارسوا هذه الهواية كعادة سلوكية، وليس كواجب اجباري، أتى عن طريق المدرسة لا غير. ولان الانسان عدو ما يجهل، وهو ايضا عدو ما يراه صعبا، وكلا الامرين وجهان لحالة شعور الانسان بالعجز امام تحدٍ يراه في مخيلته انه اكبر منه. فقد كان طبيعيا ان يكون هناك شيء من الخصومة «غير المفتعلة» ولكنها «خصومة واقعية» أفضت اليها حالة تعطيل القدرات الذهنية في السير في هذا الاتجاه منذ مرحلة الطفولة، نتيجة غياب وعي الاسرة بأهمية تكوين عادة المطالعة منذ السنوات الاولى للفرد. وبينما يستوعب الجميع أهمية ان يتدرب «اللاعب الرياضي» تدريبا مستمرا متواصلا لكي يتمكن من تحقيق نتيجة مرضية، يصعب على بعض العقول ان تتصور ان التدرب على المطالعة منذ الصغر، يهييء الفرد حين يصبح على اعتاب المرحلة الجامعية ليكون مشروعاً مذهلا لقاريء محترف، ولباحث من الطراز الاول، ولطالب غير عادي ينجز آلاف الصفحات من القراءة والبحث وهو سعيد مبتسم في صحبة فريدة، وعلاقة ناجحة بكل المقاييس. انها معادلة صحيحة، وقسمة عادلة ـ ايها الاخوة والاخوات ـ ذلك ان البدايات المبكرة في صحبة الكتاب تؤدي الى نتائج نوعية، والغفلة عن تلك البداية تؤدي الى حالة «التشرنق على الشهادة الجامعية». وغدا نواصل بمشيئة الله.