كأن تلك المشاهد وهي تحضرني الان تقول لي ما عرفت الرجل جيدا، لكن صباحاته الباكرة في مبنى الجريدة وتجواله على المكاتب بدءاً من مكتب رئيس التحرير وانتهاء بقسم المنوعات بلحيته وعصاه البدوية تعن على البال بعد فراقه®. اكثر من عشر سنوات كنت اقول في داخلي ما بال هذا الصامت المتحرك في كل الأروقة لا يلقى السلام ولا يلقاه، ما هذا الانشغال الذي يملأ فكره، ثم قلت في داخلي ما لي وما له، ربما يراني صغيرا في ناظره، فكف نفسه عني .. اكتفيت فقط بالتلصص على اخباره، وشغلتني عصاته البدوية وتابعت ما ينشر من قصائد من بعيد .. كان صحراويا بمعنى الكلمة، وهكذا اكتفيت بتحليل شخصيته. قبلها وقبل ان ألاقيه قرأت الماجدي بن ظاهر، والخضر، والجمري، وبن ياقوت وعلي بن رحمة الشامسي وبن ذيبان واخرين جمع اشعارهم في كتابه تراثنا من الشعر الشعبي، واحببت الرجل لانه وفر علي عناء البحث عن هذه الجمهرة من نجوم الشعر الشعبي عندنا. لم اعرف حمد أبوشهاب عن قرب رغم زمالة عمل امتدت لأكثر من عشر سنوات، لم احادثه ولم يحادثني، وربما حظيت بالسلام عليه مرة او مرتين®. لكن قبل عامين من الان بالضبط تقربت منه محاولا فهمه اكثر واكتشاف سر تلك الحركة الصباحية في اروقة الجريدة وسر الصمت الذي يقابلني به، وكانت المفاجأة .. حدثني عن كتاباتي، مقالاتي واكتشفت عكس ما ساورني من جراء ذلك التجاهل .. فرحت بهذه العلاقة وزادت حينما كتبت عن ضرورة اعادة جمع التراث الشعبي واعادة تحقيقه .. وفرحت حينما طلبني للحديث عن شاعر شعبي توفي منذ زمن بعيد وكنت قد كتبت عنه مقالا في بيان الثقافة .. يومها قضينا يوما كاملا في الحديث، ويومها عرفت من هو حمد بن خليفة أبوشهاب، ولماذا هو صامت، ولماذا هو متحرك دائما، ولماذا تلك العصا البدوية وتلك الصحراء ترافقه في حله وترحاله. رحمك الله يا أبوشهاب كان الحاحنا كبيرا وصادقاً حينما طلبنا منك ان تحكي حكايتك مع الشعر عبر «بيان الثقافة»، وكان الحاحنا مصحوبا بالرجاء ونحن نحثك على اخراج مسوداتك من ادراجها لتنشرها. قال في ذلك اليوم .. ما زلت اجمع وابحث واحقق والشعر يحتاج الى دقة كبيرة، ليس من السهل ان اطبع ديوانا، فماذا سأختار وماذا سأترك®. كنت منتصرا للشعر اكثر من انتصارك عليه. كان يطمح بشكل كبير ان تعاد كتابة تاريخ الامارات على لسان العارفين من اهلها، وكان يطمح بمكانة عالية للشعر الفصيح. ما زالت طلته في تلك الصباحات الباكرة تترك بقاياها في صالة التحرير، ذلك الكرسي الذي يبقى بعد مغادرته في مكانه، ورائحة العود التي تفوح من «دشداشته» ما زالت بقايا احاديثه وتعليقاته على مقالات الزميلة عائشة سلطان تتردد في الصالة، وما زلت لم اشبع من تلك النقاشات وذلك الشغف الكبير بما في الشعر وحول الشعر وعالمه وتاريخه القديم والواقع. فارقنا ابوشهاب تاركا لنا سيرة حياة شاعر واديب ومؤرخ ومحقق، وحياة ابن من ابناء الامارات وظّف جل جهده ووقته وتعبه ليفتح بابا للشعر هنا ونافذة للاصالة هناك ويردد على مسامع اصدقائه واقاربه ملاحم التاريخ العربي وآدابه وابداعاته®. رحمك الله يا ابوشهاب .. من سيطرق على طرف طاولتي بتلك العصا البدوية بعد اليوم؟