اذا كان رحيل الشاعر حمد بن خليفة بوشهاب يمثل خسارة وفقدانا بالنسبة للذين عاشوا بقربه وعايشوا عصاميته الشعرية، فانه خسارة كبيرة للساحة الثقافية في الامارات ولساحة الشعر الفصيح قبل النبطي، فهذا الرجل الذي لا يسامح في الخطأ اللغوي، ولا يسامح في اسلوب القاء الشعر، ولا يسامح في كسر وزن من اوزان الشعر لم يسامح نفسه ايضا، بل قسى عليها اكثر مما قسى على طلابه الذين انتفعوا بمعارفه وعلمه وعلاقته الوثيقة بالشعر.. لم يخدم المرحوم حمد بوشهاب تجربته الشعرية مثلما خدم الاخرين حينما جمع شعرهم وحقق فيه وحفظ للوطن والمكان والتاريخ سيرهم ووثق نتاجهم الشعري، كان مترددا في اصدار ونشر قصائده، لم يكن مقلا، بل كانت مسألة النشر بالنسبة له تعني مغامرة كبيرة، بل وخطيرة، كل هذا وهو الشاعر الملتزم بقضايا امته والملتزم بالحب والوجد، والملتزم تجاه شاعرية كبيرة تأسست على قاعدة معرفية رصينة. حينما يقرر المرحوم بوشهاب نشر قصيدة، هذا كان يعني له ان ذلك اليوم يوم استنفار مطلق، ان خروج القصيدة من صدر الشاعر يعني انها تستلم مسئولياتها منذ لحظة الخروج وانه عليه ان يتحمل تبعاتها الثقال.. يتردد كثيرا في ذلك، انه حرص الشاعر، الحرص النادر جدا.. جمع تراث الشعر الشعبي، وأرخ وحقق لسير حيوات الاخرين، نبش وبحث وطارد الحقائق حولهم، اعتد بشعرهم ودافع عنه في حله وترحاله، تغنى بهم وبأبيات شعرهم، وعكف على التدوين والدراسة، لكنه حينما تأتي المسألة الى شعره وتجربته يتوقف.. انه حمد بوشهاب، الهزار العصامي الذي كتب عنه الاديب بلال البدور في اخر مؤلف بعنوان «الهزار الشادي».. حينما تفقد الساحة الثقافية الاماراتية واحدا مثل الشاعر حمد بوشهاب، فانها تفقد مثقفا وشاعرا وظف وطوع نفسه لخدمة قضاياها واهتماماتها.. وما جملة الدواوين التي حققها حول اشعار الكثيرين الا ثمرة هذا التوظيف وهذا التعب المستمر.. حمد بوشهاب كان دائم القلق على الكنز الشعري الذي تتمتع به الساحة الثقافية في الامارات، كان دائم الحزن على فقد الاجزاء والتفاصيل، وكان تيرمومترا يتابع نبض الساحة ساعة بساعة ويدلو بلدوه في حلوها وفي مرها.. مثل هذا الانسان الذي اخلص لابداعات الاخرين من شعراء مكانه وزمانه لا تعوضه الساحة الثقافية الا في حالاتها النادرة.. جاء حمد بوشهاب من ثلاثينيات القرن، عاصر تبدلات مجتمعه وامته واحوالها تفاعل معها وكتب مواقفه منها شعرا وابياتا رصينة صادقة، دافع عن عقيدته ودينه واستبسل في عروبته وقوميته، وتغنى بوطنيات شفافة لارضه واهله وناسه، وكتب غزلا عفيفا جميلا آخاذا، طرق اغراض الشعر كلها، بل اخذته شاعريته المتفاعلة والمتقدة الى ربوعها وفي كل منها كانت لغته الشعرية تقطف من العذب المرهف.. يقول عنها الاديب المستشار ابراهيم بوملحة وهو اخر من كتب عن شعره في الايام القليلة الماضية: حريص على وحدة الامة ووئامها ينغصه ما آل اليه واقع العرب لذلك يدعوهم الى نبذ الخلاف والحقد والتوحد على اساس الدين، ويستعجل تحقيق هذا الحلم الذي يراه ويستغرب طول امد الشتات.. والشاعر من المأسورين بأثر العدل في الاوطان وهو الذي يراه ضمان الملك وصمام الامان لذا فهو يركز عليه ويكرسه في قصائده.. ويكتب عن مميزات شعره الزميل الشاعر ظاعن شاهين يقول: يكثف ابوشهاب صورته الشعرية باستعمال التكرار وهو استعمال محمود يحسب للشاعر لانه من الاساليب البنائية، فتكرار المفردة الواحدة هو تأكيد لحالة النمو المتواصلة في بناء الصورة، حيث تعتمد وحدة الرؤية الشعرية او الوحدة العضوية على النمو الداخلي للقصيدة، بدلا من التراكم الناشيء عن تجمع الصور وتآلفها في اطار القصيدة الخارجي، فالفكرة او التجربة الشعرية تتخلل ألفاظ القصيدة وصورها وتتكامل بتكامل هذه الالفاظ وتواليها وهذا ما نحسه جليا في قصيدة «جهاد»: هذا هو المرحوم الشاعر حمد بوشهاب في جانبه القومي وفنيات شاعريته الصادقة، وذاك هو حينما يكون في الكواليس يعمل بصمت على مخطوطات الشعراء وتاريخهم.. اليوم يترك لنا المرحوم ركاما نادرا من الاوراق في بيته هناك في تلك الزاوية التي كان يجلس اليها ليكتب عن شعراء وطنه وتاريخهم، يجمع ما التمع من شعر ويكتب حوله وعنه،، مخطوطات هي دراسات وابحاث وقصائد وابيات، ومسودات لافكار كثيرة وبقايا حروف قصائد.. تركها المرحوم حمد بوشهاب لمن سيأتي بعده وينسج على النول، نول حراسة التاريخ الشعري المحلي، ونول حراسة اللغة العربية والقصيدة الفصحى.. رحل ابوشهاب عن دنيانا وبقت اثاره وما خطه يراعه، بقت لنا كما بقت اجزاء ديوانه الكبير تراثنا من الشعبي.. بجزئيه الذين خرجا للوجود وبأجزائه المتبقية على المسودات والمخطوطات.. أب للشعر والتراث الشاعر ابراهيم الهاشمي قال ان حمد خليفة بوشهاب هو أب حقيقي للشعر والتراث في الامارات ولذلك فاننا لا نخسر برحيله شاعرا عاديا او مثقفا عاديا، بل صوت الامارات ولسان حال القبيلة ورائدا من رواد التوثيق والتأريخ. لقد تعلمنا منه جميعا ونهلنا من ثقافته الواسعة ومكتبته التي كنا نذهب اليها في ميدان جمال عبدالناصر لنتابع الجديد من الكتب والمعلومات حيث كان مثال المحفز والراعي والموجه. لقد عمل الراحل في ظروف شديدة الصعوبة وأصر على التحدي وجمع المراجع وتوثيق الشعر المحلي ولذلك يجب على المؤسسات الثقافية الا تغفل عن الكنوز التي يمتلكها من مخطوطات ومراجع والعمل على نشرها فمشروعه وشخصه يجب ان يبقيا علما عاليا. ان خسارة حمد خليفة بوشهاب ليست مجرد خسارة لعمود من اعمدة الثقافة في الامارات بل لعدة اعمدة وشواهد بارزة في وقت واحد .الخسارة الفادحة الكاتب الدكتور شهاب غانم قال ان رحيل اي شاعر حقيقي خسارة لشعبه وأمته وقد انطفأ مشعل ينير الدرب.. وذبلت وردة تنشر الاريج وسكت الى الابد هزار ينشد اهازيج الحب والجمال.. فكيف برحيل شاعر كبير يقف في الصف الاول في عالم الشعر في الامارات وباحث جاد دؤوب اثرى المكتبة بجهود الشعراء الآخرين.. جهود كانت ستضيع في مهب الرياح لو لم يقيض الله لها هذا الشاعر المرهف والباحث المتفاني ليجمعها ويحققها.. نموذج نادر في هذه المنطقة هذا الراحل العزيز ابو خليفة الشاعر حمد بو شهاب.. رحمه الله رحمة واسعة. استرعى انتباهي عندما كنا ننشر في مجلة أخبار دبي بعض اشعارنا في منتصف السبعينيات وسرعان ما التقينا ودامت بيننا الصداقة منذ ذلك الوقت، والاحترام الشديد، فقد كان يعجبني فيه اهتمامه بتجويده لشعره وعدم الاكتفاء بالاعتماد على موهبته الفطرية وهي موهبة لا يستهان بها وكذلك محبته للغة العربية وتمسكه بالدين وكنت اعجب لمقدرته على الحفظ لاشعار الجيل السابق من شعراء الامارات شعرا فصيحا ونبطيا.. وكان لا يجمعنا مجلس الا ويتحدث عن ابي الطيب المتنبي وطبعا عن كتاب الله العزيز ويعرج على أمور السياسة وأحوال العرب والمسلمين وتاريخ الامارات واليمن والمنطقة ولأنه كان قريبا من صانعي القرار في تاريخ الامارات الحديث وكان ملاحظا ومحللا جيدا فقد كنت استفيد من ملاحظاته وتحليلاته لاحداث ذلك التاريخ. وتعرفت من خلاله على الراحل العزيز سلطان بن علي العويس وعلى الاستاذ ابراهيم بوملحة والشاعر محمد بن طوق حفظهما الله وعلى غيرهما من الادباء. وكنت كثيرا ما ازوره في مجلسه بل اخذت ذات يوم والدي الشاعر الكبير د. محمد عبده غانم رحمه الله الى مجلسه ففرح به وكان قد قرأ بعض شعره وأثنى عليه كثيرا.. كما زارني في منزلي. وكان حمد بوشهاب رجلا صادقا وصريحا ولا يعرف المجاملة وكان يدرك ان بعض الناس لا يحتملون الصدق والصراحة ولذلك كان يقصر علاقته على من يرتاح اليهم والى من لا يحبون النفاق وكان الذين لا يعرفونه عن كثب لا يدركون انه رجل في قرارة نفسه متواضع للعلماء والأدباء الحقيقيين. حضور نادر واستثنائي الشاعر ابراهيم محمد ابراهيم قال ان الشعور بخسارة الشاعر والمبدع الكبير حمد خليفة بوشهاب يشبه تماماً خسارة الأب وفقدانه، فمثل هذه الشخصيات نادرة الوجود والتكرار، ولذلك فإن رحيلها يترك فراغاً وحسرة في القلب، ورغم اللقاءات معه لم تكن كثيرة إلا ان مجرد حضوره على الساحة ينمي الشعور بالطمأنينة والرضى. لقد كان الراحل من اوائل من تنبه لفكرة توثيق التاريخ والمراحل الشعرية في الامارات وتثبيت اسماء الشعراء وحفظها من الضياع والاندثار وهو بحد ذاته انجاز عظيم ومتميز وليس لدينا تجاهل انه كان يعمل ويوثق في الوقت الذي كان الكتاب ابعد ما يكونون عن مثل هذه المبادرات انه بلا ادنى شك السباق وواحد من رواد الثقافة في هذه المنطقة. فراغه كبير التشكيلي محمد يوسف رئيس جمعية الامارات للفنون التشكيلية اشار الى ان رحيل شخصية بقيمة الشاعر حمد خليفة بوشهاب تشعرك بالخوف من ان الشجرة المثمرة تخسر المزيد من اوراقها والخوف كل الخوف من ان تصبح جرداء، ان مثل هذه الشخصية الاستثنائية لابد انها ستترك فراغا كبيرا، فهو مثال حقيقي على العمل والاجتهاد والحفاظ على خصوصية ومفردات بلده اضافة الى انه صندوق تاريخ وتراث. ان خسارته لا تعني الساحة الشعرية فقط بل هي خسارة لكل الساحة الثقافية بفروعها واتجاهاتها، لقد خسرنا رمزا كبيرا من الرموز وقامة يصعب تعويضها. حالة انسانية راقية الدكتور محمد المطوع قال ان الراحل حمد خليفة بوشهاب كان من الرعيل الاول الذين تركوا بصماتهم واضحة المعالم على الحياة الثقافية وكان طوال حياته مثابراً على البحث والتقصي وتدوين الحياة الثقافية، وبالتالي فإن ما تركه من كتب ومنشورات يمثل مرجعية كبيرة ومتميزة ورؤية خاصة للحياة والتجربة الثقافية على طريقته. والى جانب البعد الثقافي كان حمد بوشهاب حالة راقية في التعامل الانساني مع الآخرين، كان بشوشاً تحس معه بالراحة النفسية، وبالتقارب الانساني، الامر الذي يؤكد ويعبر عن طبيعة العلاقات البسيطة والانسانية التي يتميز بها مجتمع الامارات. ولذلك فإنه من الواجب على الجهات الثقافية العمل على الاحتفاء وتكريم هذا الشاعر الانساني وتخليد ذكراه كاطلاق اسمه على احد الشوارع العامة او اقامة ندوة كبيرة لدراسة نتاجه الفكري والادبي. لقد كان حمد بوشهاب مثلاً لانكار الذات وحب الآخرين والعمل الموضوعي وليس الذاتي وبالمقابل فإن رد الجميل لابد ان يكون من اولوياتنا.قامة شعرية مهمة الأديب حارب الظاهري قال: قبل أيام طاف الشاعر حمد بوشهاب في خيالي أتأمل سيرة ابداعاته وآرائه التي مددها على وجداني في أول لقاء بيننا وأذكره جيداً في جريدة «الاتحاد»، وكان حضوره يومها من أجل طباعة كتاب شعري، وأنا حينها كنت طالب ثانوية وأحادث قامة شعرية مهمة تطرح حالة ابداعية غير عادية وأخذت تمتد المناسبات وعلى قلّتها كنت أحظى بالكثير وأظفر برؤاه التي لا يبخل بها على أحد، فذاتي دائماً تواقة الى محادثته ومهاتفته والذي أسمعه منه الحث دائماً على جهود أعضاء مجلس الادارة في اتحاد الكتّاب ويرفع من شأن أدبائه وكتّابه. أما مناحي الحياة الأخرى يتطرق اليها وله منها موقف رجل وثوابت شاعر فلا يميعها أو يذيبها أبداً. وفي المرة الأخيرة حادثته فشكا لي من شدة الاعياء وكان ذلك قبل شهور قليلة. لقد اتبعنا هذا الفقد مخزوناً تراثياً وثقافياً طمس منا سيرة عطرة وانها لفجيعة... أتمنى أن تعوض الأجيال القادمة شيئاً من هذا الفقد وأن يسكن الله روحه جنات الخلد.حمد والمحمود يرحلان عنا مصابان جليلان اصابا الساحة الثقافية في اقل من اسبوعين اولهما فقدنا للعلامة والاديب/ محمد بن علي المحمود في السادس من شهر اغسطس وثانيهما فقدنا للشاعر والاديب حمد بن خليفة بوشهاب في التاسع عشر من هذا الشهر ايضا والاسمان يحمدان على جهدهما في اثراء الساحة الثقافية في دولة الامارات ومنطقة الخليج، فالاول كان مثالا للمعلم الفاضل الذي كان له باع طويل في تأسيس الحركة التعليمية في الدولة وكان له صلات كثيرة برواد الحركة التعليمية في دول الخليج سواء في البحرين او قطر او في الدول العربية الشقيقة مثل مصر وسوريا، والثاني كان مثالا للشاعر والاديب المخلص للعمل الثقافي الوطني فقد اثرى الساحة الثقافية بالعديد من الدواوين الشعرية التي جمعها للعديد من الشعراء المحليين بل انه يعد اهم من عمل على تأصيل الشعر الشعبي في دولة الامارات والحفاظ على هذا المخزون الكبير من التراث الشعري من خطر الاندثار بجمعه وأرشفته في مجموعة من الكتب التي لا تخفى على المتتبع للحركة الشعرية في الامارات، كما انه قام بتأسيس الصفحات المتخصصة في نشر الشعر الشعبي سواء على صفحات مجلة اخبار دبي او على صفحات «جريدة البيان» او كذلك على صفحات الجرائد الاخرى في الدولة، الشيء الذي جعل المهتم بالشعر الشعبي وغير المهتم يتابع هذه الصفحات بلهفة وتعلق اين نحن من هذا الجيل الذي وهب نفسه وعمره لخدمة الثقافة الوطنية قبل النفط وبعده. اين نحن من هؤلاء العمالقة الذين حملوا على عاتقهم مشعل النور والتنوير هؤلاء الذين بدأوا بالكتاتيب في مدرسة الاحمدية ومدرسة المحمود وانتهوا حاملين للفكر والثقافة وخدمة الوطن، رحم الله المحمودين بعملهما انشاء الله محمد بن علي المحمود وحمد بن خليفة بوشهاب ورحم الله الساحة الثقافية من بعدهما فكم نحن في حاجة لجهود امثالهما في وقت نرى فيه الساحة الثقافية في حالة من الترنح والهذيان وعدم الاستطاعة على مجاراة العصر والوقوف ندا في وجه الحضارة الاستهلاكية الرخيصة.حمد بو شهاب.. المدرسة رحم الله (بو خليفة)، لقد نزل عليّ خبر رحيله نزولاً مؤلماً، وانا في سفر، وكان اخر لقائي به في شهر ابريل الاخير من هذا العام، في مجلس الاخ والصديق العزيز محمد ابراهيم عبيد الله، الذي كان المرحوم بوشهاب يرتاده بشكل يومي، وكنت التقي به هناك عندما ازور هذا المجلس العامر، وكان بو شهاب نجم هذا المجلس وبلبله الصداح بالشعر والروايات الادبية. كنت ومازلت ممن لا يروق له المناهج التي كان يضعها بو شهاب لمدرسته الشعرية.. ولكن بوشهاب كان بالفعل مدرسة.. مدرسة لها خاصيتها، في الشعر العربي الكلاسيكي، تضم في مناهجها الشعر الفصيح والشعر النبطي، وتحاول التوفيق بين هذين الاتجاهين في الشعر العربي، وتخلق بينهما رباطاً وثيقاً من الصلة، والاستدلال بالجذور والمنبت بين هذا الشعر وذاك. كان حمد بو شهاب زعيماً بلا منازع للأدب الكلاسيكي في الامارات، وكانت له رؤية خاصة لهذه الكلاسيكية التي كانت في رأيي، بمثابة مدرسة، المدرسة القديمة للشعر العربي.. وتخرج على يد بو شهاب تلاميذ اصبحوا ممن يحبون القديم من الشعر، وينافحون عنه بنفس الحماس والقوة اللذين كان فيهما بو شهاب، او يسير عليهما بو شهاب رحمه الله. وكان بو شهاب مسبوقاً من شعراء وادباء كلاسيكيين من الامارات، عاصر بو شهاب بعضهم، او لحق بطرف من زمنهم، ولكن ليس بين هؤلاء من ثبت على الكلاسيكية المحضة، او اصر على منهجها لا يحيد عنها، كما فعل بو شهاب الذي كان ثابتاً لا يرضى عما يؤمن به بديلاً، بل كان يحارب فكرة الحداثة، ويقول عنها كلاماً قد يخالف واقعها احياناً، ولكن كان كلامه نابعاً عن صلابة ورسوخ فيما يؤمن به. جاء موت بو شهاب ليهد ركناً هاماً من اركان الادب والثقافة الادبية في الامارات، ويطفئ شمعة مضيئة كانت تستحث السير نحو ضوئها كل من يريد ان يتحدث عن تطور الادب والشعر في الامارات، وكان بو شهاب صاحب عطاء وفير، وفي المقدمة من جيل الرواد في مجتمع الامارات، وتظل عصاميته في الادب والثقافة مضرب مثل وقدوة لنا جميعاً. علم من أعلام الامارات الفنان احمد الجسمي استهل حديثه بالاشارة الى ان خسارة الشاعر حمد خليفة بوشهاب تطال كل الجهات الثقافية في الامارات ولا تقتصر على الشعر والتراث فهو كان من الشخصيات الثقافية العامة والتي طالت جهودها وآثارها وحضورها، فهو شاعر ومؤرخ وراو. برحيله تودع الامارات احد ابنائها الكبار الذين وضعوا بصمتهم وبقوة في حركتها الثقافية ويودع العرب عموما رمزا من رموزه الشعرية الكبيرة التي راهنت وابدعت بذلك الكثير من الجهود في اعلاء شأن الشعر العربي الاصيل. فقد كان لا يقبل اي نقيصة في الشعر مهما كانت صغيرة وكان مدافعا عنه الى درجة انه كان يتدخل حتى في الالقاء وكان من اشد المدافعين عن المتنبي وشعره وكأن هذا الاخير كان اخا له او صديقا مقربا له. لقد جمعتني به عدة جلسات احداها كانت في وزارة الاعلام بحضور صديقه المقرب الشاعر ربيع بن ياقوت والدكتور غسان الحسن وفي هذه الجلسة اكتشفت انني لست امام شاعر عادي، بل امام موسوعة شعرية وتاريخية كبيرة كان مبهرا بمعلوماته وثقافته ودقته اللامتناهية في استحضار المعلومة بأدق تفاصيلها رمز من رموز الثقافة الشاعر خالد بدر عبيد اشار الى ان رحيل حمد خليفة بوشهاب هو خسارة لواحد من الرموز المهمة والاساسية في هذه المنطقة على امتداد الـ 70 عاماً المنصرمة، لقد كان شخصية فريدة بما لديه من ثقافة ومعرفة وسعة اطلاع وقدرة على التحليل والفهم، وكان شخصية اجتماعية مميزة وصديقاً لمعظم شعراء الامارات ودافعا لهم وكاتباً عنهم وحولهم، وله يعود الفضل في جمع وتوثيق كم هائل من نتاجات الشعراء في الامارات منذ ما يقارب 400 عام حتى اليوم ولولا جهوده الدائمة المستمرة لضاع الكثير من شعرنا النبطي، حيث كان يرافق الشعراء الشفاهيين ويدون عنهم قصائدهم ويوثقها ولذلك فإنه يمتلك ويحتفظ بالكثير من المخطوطات والوثائق المهمة والاساسية في سياق الشعر النبطي في المنطقة. كما يعود الفضل لشاعرنا الراحل في تكوين المجالس الشعبية منذ السبعينيات، وانطلاق الحركة الاعلامية في الامارات حيث اعد وقدم برنامجاً اسبوعياً عن الشعر الشعبي مع بداية البث التلفزيوني. ان معرفة حمد خليفة بوشهاب عن قرب على غاية من الاهمية نظراً لثقافته الموسوعية وعلى المستوى الشخصي استفدنا منها كثيرا من خلال رؤيته للتاريخ الشعري في الامارات، وآليات وطرق توثيق هذا الشعر. وهو الى جانب كل ذلك كان موسوعة تاريخية ولديه ذاكرة حاضرة لأهم الاحداث والرموز والمنعطفات التاريخية التي عايشتها هذه البلاد كما انه كان حجة في علم الانسان. كان بوشهاب كثير الحذر والدقة في مجال الشعر ولعل هذا الامر الذي يبرر قلة اصداراته الشعرية الخاصة فقد كان دائم الانتظار لاختيار الافضل من قصائده وهي ميزة لا نجدها عند من نعرفهم من شعراء، ان رحيل حمد بوشهاب هو رحيل قامة كبيرة وهامة من هامات الشعر والثقافة التي لا تعوض. خاض غمار البدايات الشاعر عبدالله العويس مدير دائرة الثقافة والاعلام بالشارقة اشار الى انه بانتقال الشاعر المفوه والرائي الحكيم حمد بوشهاب الى رحمة الله نكون قد خسرنا قامة من قامات البيان والبديع في دولة الامارات العربية المتحدة. لقد تتلمذنا نحن الجيل التواق الى حكمة التاريخ ومنابع الصفاء على يده وامثاله من الذين اقاموا في مرابع المجد والاصالة وافاضوا في القول السديد والرأي المفيد. كان رحمه الله حاضرا بسخاء الواثق المتأمل في المشهد الثقافي العربي الشامل. معتداً بلغته الجزلة ودلالتها الكبيرة، واثقا من بيان الاسلاف وروعته.. مبحراً في زمن الابداع الشعري.. يستمد معانيه من حالة التثاقف التاريخي بين الماضي والحاضر. في نصوصه الممتدة على مدى عمره العامر بالعطاء نقرأ سفراً للمعاني والتجليات.. ونسافر في اسئلة الواقع والتاريخ.. ونتابع نبض التواشج بين المعطيات والتفارقات. كان حمد بن شهاب نموذجا لجيل عرف المعاناة وزخم العطاء النبيل.. اسماً من قاماتنا التي تركت لنا رسالة مشفوعة بالمسئولية والدرب المفتوح الى المزيد والمزيد من العمل. انه من ذلك الجيل الذي خاض غمار البدايات وتابع زخم النجاحات وامسك بضرورة الانتماء قولا وفعلا. لا تتسع العبارة تنويعا على فداحة الخسارة ومدى الفراغ الذي يتركه الراحل الكبير.. لكنها ارادة الله وسنته في خلقه نقبل بها طائعين مختارين. رحم الله الفقيد حمد بوشهاب وأسكنه فسيح جناته