في البداية لم أتعرف على صاحب الصوت، يطلبني لأول مرة، هذا مؤكد، الذاكرة تستوعب الأصوات التي تتكرر، لكل صوت إيقاعه الخاص، بصمته، سألني عن أحوالي، حمدت الله على كل شئ، قال انه يتصل ليطمئن فمنذ شهور لم يرني مسافرا، ثم أتبع قوله بتعريف نفسه. أنا بكري بتاع المطار.. كأني استدعيته أمامي بمجرد ذكره الاسم والمطار، لعلها المرة الأولى التي أعرف اسمه فيها، أعرف هيئته، وملامحه، ولكنني تذكرت في هذه اللحظة أنني لم أسأله عن اسمه، احتفظ ببطاقتي التي قدمتها اليه يوما، وتحمل أرقام هواتفي، هكذا استطاع أن يتصل بي في تلك الساعة من الليل الصيفي الحار. كلما سافرت من المطار القديم والذي يبدو بحالاته وتكوينه أكثر اتساقا من المطار الجديد. بعد انتهاء الاجراءات أمضي الى المقهى الصغير بصالة السفر، أتناول كوبا من الشاي. وأقرأ الصحف، أرتب أوراقي، أتأمل المسافرين، ثمة أماكن يبدو الانسان مستنفرا، منها مداخل الفنادق، والمستشفيات، ومحطات القطار، وصالات السفر بالمطارات، أي أماكن العبور، خلال ترددي على المقاهي، أو المطاعم، استريح الى شخص ما، لأسباب تستعصي على التفسير تنشأ مودة مع تكرار التردد، واتصال المعاملة، قد يكون هذا سهلا في الأماكن التي يتردد عليها الانسان عدة مرات. وهذا ما تحقق لي في مدينتي القديمة، القاهرة الفاطمية، وفي مدن الصعيد التي اعتدت التردد عليها خلال السنوات الأخيرة، سوهاج، أخميم، أبيدوس، الأقصر، قنا، ولكن قد يبدو الأمر أصعب في مناطق العبور المؤقت، لكن تحقق لي الأمر في مطار القاهرة القديم، أجلس قبل الاتجاه الى بوابة الخروج، أتأمل المسافرين، جنسيات شتى وانفعالات مختلفة، لفت نظري بهدوئه، حضوره الرزين الراسخ، يقوم بتقديم المشروبات بحرفية عالية، احترم إتقان الانسان لما يقوم به، حبه لشغله، الشغل في المطلق، وليس شغلا بعينه، كان الرجل غامق السمرة، أبيض شعر الرأس يتحرك على مهل، يحمل الأكواب والفناجين كأنه يعمل في قصر، وليس في مقهى المطار لزبائن عابرين، كثيرون منهم، إن لم يكن معظمهم لن يراهم، في مصر نوعان من المقاهي، تماما مثل العالم كله، المقاهي الخاصة بأبناء المنطقة، أو يتردد عليها أبناء فئة أو حرفة معينة، وتلك تكون الخدمة فيها أفضل، كذلك الألفة، والنوع الثاني مقاهي النقالي، أي مقاهي العابرين، وتلك تكون على الطرق، خاصة السريع منها، أو الشوارع الرئيسية، وقرب المؤسسات الكبرى ومجمعات المحاكم والمصالح الحكومية التي يتردد عليها الجمهور، وتلك تكون الخدمة فيها أقل إتقانا، ورغم المظهر الحسن الذي تبدو به مقاهي المطارات، إلا أنني لا أشعر معها بالألفة، انها أماكن عبور سريعة جدا، ومع ذلك نجح وجود هذا الانسان طيب الملامح، هادئ الحضور، في اقامة صلة بيني وبين المكان، خاصة أنني في العام الماضي سافرت عدة مرات. بمعدل مرة كل شهر ونصف تقريبا، ومعظم رحلاتي كانت من المطار القديم، بمجرد انتهاء الاجراءات أتجه الى المقهى، خاصة أنني من الذين يفضلون الذهاب مبكرين، أخشى دائما وقوع طارئ ربما يعطلني عن اللحاق بالقطار والطائرة، كأنني ورثت حذر أجدادي الصعايدة الذين كانوا يذهبون الى محطة القطار قبل الموعد بيوم كامل، وعندما يقول أحدهم لهم إن الوقت مبكر جدا، يرددون الحكمة التي لا أدري من قائلها: «استنى القطر، القطر مش حيستناك..» ما البال إذا تعلق الأمر بطائرة؟، إذا قيل لي الحضور قبل الإقلاع بساعتين، أفضل الذهاب قبل الاقلاع بثلاث، اقترب من المقهى متمهلا، متمنيا أن يكون موجودا، أصبحت أتفاءل به، ما أن يراني حتى يتهلل وجهه الطيب، يقبل ناحيتي، وبعد المصافحة يسألني عن وجهتي، ولأنني سافرت أكثر من مرة الى باريس خلال فترات متعاقبة متقاربة أصبح يسألني. «باريس برضه؟..» أجلس ويصر على أن يحضر ما أشرب، أن يعد لي القهوة باللبن بنفسه، أحيانا يتناول حديثا عابرا عن حركة السفر، أعداد السائحين، حدث ما في البلد، لكنني لم أسأله قط عن اسمه، أو.. فلأعترف، لابد أنه ذكره على سمعي مرة وربما نسيت، مرة لم أجده، فلم أدر كيف استفسر عنه. رحت أتجول بنظري بحثا عنه، خمنت أنه ربما يكون موجودا في المكان الداخلي الذي يتم تجهيز الأكواب والفناجين والأطباق فيه، وعندما اقتربت من مدخله اعترضني أحد العاملين متسائلا عمن أبحث، لم أستطع أن أجيبه لأنني لم أكن أعرف الاسم، ولكنني لمحته في الداخل فأشرت اليه، عندما رحب بي، قلت له صادقا: «لو لم أرك لسافرت متوجسا.. إنني أتفاءل بك..» هكذا لم أتعرف عليه عندما قال لي: «أنا بكري». وعندما بدا له أنني لم أعرف، قال متداركا: «أنا بتاع المطار.. أصلي من مدة ماشفتكش قلت أسأل عنك». تذكرته على الفور، رحبت به وسألته عن امكانية زيارتي في يوم عطلته الأسبوع المقبل، لكنه أصر. قال بهدوء انه أراد الاطمئنان فقط، وتمنى أن يراني قريبا، وانتهت المكالمة بدون أن نتفق على موعد محدد. لا أعرف عن عم بكري إلا أنه من النوبة، جميع حواراتي معه كانت عابرة، عامة، ربما لأنه قليل اللفظ، وربما لأن الحديث معه لم يكن يستغرق إلا لحيظات، إذ أنه في حالة حركة باستمرار، لابد أن يلبي طلب هذا، ويسرع الى ذاك. المودة التي اتصلت بيني وبين عم بكري، ذكرتني بكثيرين عرفتهم في مقاهي القاهرة، والاسكندرية، خاصة في القاهرة القديمة، عندما كنت أقيم بها، بدرب الطبلاوي، المتفرع من شارع قصر الشوق، كنت إذا غبت يوما أو يومين عن التردد على مقهى الفيشاوي مثلا، كان عم عبدالحميد يجيئ ليسأل عني في البيت خشية أن أكون مريضا، كان ذلك زمن الستينيات، وجوه عديدة تتوالى عليّ، تبدو من ثنايا الذاكرة، لكنني أتوقف عند جمال الجزائري. عندما آل أمري في باريس الى أماكن بعينها رغم أنني أنزلها على فترات متباعدة ولا أقيم إلا أياما معدودات، اتخذت من المقهى والمطعم المجاور للفندق في شارع راسين بالحي اللاتيني على بعد خطوات من جامعة السوربون، وشارع السان ميشيل العامر بالمكتبات، يمت المكان الى القرن التاسع عشر، ولكن تأثيثه وطراز مناضده ومقاعده ينتسبان الى حركة الفن الجديد، وبها ملامح شرقية، خاصة في الزخرفة، في هذا المقهى والمطعم تعرفت الى عدد من العاملين به، آنيت زوجة صاحبه التي أوحت لي بقصة قصيرة، وسيمون صاحبه الذي يعمل ليلا نهارا، وهذا الشاب الذي ظننته فرنسيا في البداية، كان وسيما، لطيفا، يتحرك بمهارة وسرعة، واثناء الاصغاء الى طلبات الزبائن، يبدي اهتماما حقيقيا، فيشرح تركيبة الطبق، وطريقة اعداده، وقد ينصح بطبق معين، عندما اقترب مني، فوجئت به يقول لي بعربية فصحى، نطقها عسر. «أنا جزائري..» قال انه قبائلي الأصل، أي أمازيغي، وأن والده تزوج من فرنسية، وأنه أطلق عليه اسم جمال، محبة وتيمنا بجمال عبدالناصر، الذي يتمتع بشعبية كبيرة في الجزائر، منذ تلك اللحظة أصبحنا أصدقاء، أصبحت اتجه مباشرة الى الركن الذي يقوم بخدمته، وعلى الفور يحضر المشروب المفضل لي بدون أن يسألني، وأثناء حركته النشيطة لخدمة الزبائن يتوقف الى جواري بحيث يصبح وجهه محاذيا للمنضدة، لا يمكنه الجلوس الى مقعد إلا لفترة محدودة وعند خلو المقهى من الزبائن تقريبا، يخرج دفترا صغيرا، يكتب بعض الكلمات ويطلب مني تصحيحها، ثم ينطقها، ثم يسألني عما اذا كنت سأتناول العشاء في المطعم؟ واذا أجبته نعم، يقترح لي طبقا ممتازا ومشهيات تناسبه، مع مضي الوقت لم أعد أنظر في قائمة الطعام، أصبحت أسأله. «ماذا تقترح لي اليوم؟». فيبدو عليه السرور، ويبدأ الشرح، كان يطلب مني باستمرار: «كلمني عربي..». كان معتزا باللغة العربية، بأصله الجزائري، تواقا الى الحديث بالعربية، وقال إنه يدخر لزيارة مصر مع صاحبة له، رحت أضع له برنامج الرحلة، واقترح عليه الأماكن وأحدد له المناطق التي سأصحبه اليها، بعد عودتي الى القاهرة أرسل لي خطابا باللغة العربية يتضمن تحية ومودة، في رأس السنة تبادلنا البطاقات، زرت باريس ثلاث مرات خلال ستة شهور، قابلته وأصبح معروفا لكل أصدقائي العرب والفرنسيين أن هذا مكاني المفضل وكنت أقدمه باعتباره صديقي، في آخر مرة دخلت الى المطعم عصرا، وجدت وجوها جديدة، معظمها لا أعرفه، انتظرت ظهور أحد معارفي، وعندما بدت آنيت مرحبة بابتسامتها الرائعة.«أين جمال..». أشارت بيدها «ذهب...» وجمت، شيئا فشيئا راح المكان يتبدل، أصبحت غريبا عنه وغريباً عني، لم أطلب قائمة الطعام، اكتفيت بالمشروب وخرجت، الى هذه اللحظة لم أعد اليه مرة أخرى، فالمكان هو الانسان، وما يربط إنسان بآخر يستعصي على التفسير حتى الآن.