هناك مثل يقول «اذا لم تستح فافعل ما شئت» وهو ينطبق تماماً على السلوك الاميركي تجاه العالم وبخاصة العرب والمسلمين. لكن البجاحة والبلطجة والوقاحة الاميركية، وصلت مؤخراً الى ذروة لم يكن احد منا يتصورها بالمطلق حينما طالب 600 شخص من اقارب ضحايا احداث 11 سبتمبر بتعويضات من العرب تصل الى مئة تريليون دولار او 3 ملايين مليار دولار. واصدقكم القول انه ومنذ رفع الدعوى قبل حوالي اسبوع احاول جاهداً معرفة حقيقة الرقم المطلوب دفعه وكم يساوي بالضبط ولكنني عجزت حتى الان. خبراء الاقتصاد والمحللون وبعض وكالات الانباء تقول ان هذا المبلغ كفيل بافلاس دولة غنية وجعلها تعيش على البلاطة او انه يساوي الدخل القومي لأي دولة ثرية لمئات السنين. وفي هذه السطور السريعة لن اناقش ما كتبه الكثيرون منذ رفع الدعوى بأنها تنطوي على ابتزاز اميركي او انها «كارت تهديد» لدفع العرب والمسلمين الى تأييد المخططات الاميركية الاسرائيلية بضرب العراق وتصفية المقاومة الفلسطينية واعادة رسم خريطة المنطقة والتصديق بنعم على كل ما تريده اميركا واسرائيل. كل ذلك هو من قبيل تحصيل الحاصل. ما يشغلني حقيقة هو اننا كعرب ومسلمين نرى حقيقة السياسة الاميركية تتكشف امامنا بسفور ساطع لا لبس فيه ورغم ذلك نتعامل مع الامر وكأنه يخص صراع اميركا مع موزمبيق او بنما وليس يخص مصيرنا ومستقبلنا لمئات السنين. لم نتعظ من قصة لوكيربي وكيف ان واشنطن ولندن لم تفكرا بالمرة في مجرد معاقبة ليبيا على انتهاجها سياسة مختلفة بل خططتا لافقار ليبيا لعشرات السنين. لم نتأمل كيف سرقت اميركا الارصدة الايرانية بعد قيام الثورة عام 1979 وكأن هذه الاموال كانت ملكاً للشاه وليست للشعب الايراني. الدعوى المرفوعة الان لمطالبة بعض الهيئات والاشخاص العرب والمسلمين بهذا الرقم الفلكي غير المسبوق ليست تهريجاً او مجرد ورقة للمساومة، ولا يكفي التعامل معها بادانتها عبر وسائل الاعلام وكفى، لاننا لا ندرك حتى الان ان القانون الاميركي يتجه لجعل نفسه قانوناً عابراً للسيادة الوطنية وبالتالي فلن نستغرب اذا صدر حكم لصالح اصحاب الدعوى، ثم مطالبة الادارة الاميركية لنا بالدفع او الحبس! المطلوب هو تحرك جاد لقطع الطريق على هذه اللصوصية التي تتم في وضح النهار، ليس فقط بتشكيل فريق قانوني للرد على الدعوى الاميركية، ولكن برفع دعاوى مماثلة لطلب تعويضات من اميركا على كل جرائمها في المنطقة العربية منذ مساعدتها لاسرائيل في احتلال الارض العربية عام 1967، مروراً بجرائمها في باب العزيزية بليبيا وملجأ العامرية في العراق ومصنع الشفاء في السودان، وقتلها للمدنيين في افغانستان نهاية بسلاحها الفتاك الذي يقتل اهلنا في فلسطين ليل نهار دون ان يرمش لها جفن. ادرك تماماً ان كثيراً من حكوماتنا العربية لن تجرؤ على تحريك الدعوى ضد الحكومات الاميركية، لكن ذلك قد تتولاه جمعيات اهلية اضافة للاحزاب والنقابات وسائر هيئات المجتمع المدني. اما التحرك السريع والمطلوب الان قبل غد فهو موجه للحكومات وللمستثمرين ورجال الاعمال والحكومات العربية والاسلامية بسرعة سحب ودائعهم واستثماراتهم من الولايات المتحدة وبريطانيا، حتى لا يفيقوا غداً على كارثة محققة ويكتشفوا ان كل ما ادخروه طوال حياتهم اصبح اثراً بعد عين، واشنطن لن تفكر في عربي طيب او عربي شرير، او حكومة حليفة واخرى مارقة فهي مثل اسرائيل تنظر لنا باعتبار «ان العربي الجيد هو العربي الميت». وختاماً فإن اطرف ما قرأته عن هذه الدعوى ان اصحابها فكروا منذ شهور طويلة في مقاضاة مكتب التحقيقات الفيدرالي والمخابرات المركزية الاميركية بتهمة انهما كانا يملكان معلومات وتحذيرات باحتمال وقوع الاحداث، وتم ابلاغها للرئيس جورج بوش لكنه ومعه اركان ادارته توصلوا لقناعة انه في حال نشر هذه التحذيرات فقد تتضرر مصالح شركات الطيران الاميركية، وهكذا تم تغليب مصلحة اصحاب هذه الشركات على حساب ارواح الضحايا، وفجأة وبعد مداولات وشد وجذب بين اصحاب الدعوى والحكومة الاميركية، خلص الجميع الى ضرورة رفع الدعوى ضد العرب. ومرة اخرى وكما يقول المثل المصري الشائع: «لم يقدروا على الحمار لكنهم قدروا على البردعة!».